الأحد، 15 مايو، 2016

الدكتور حسن الترابي ومقاربة التجديد

              
الدكتور حسن الترابي ومقاربة التجديد - وجهة نظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر.
بقلم: خليفة محمد السمري المحامي.
(1)
     قال الدكتور حسن الترابي عليه رحمة الله مقرظاً لكتابه السياسة والحكم : " إن هذا الكتاب في شأن الإسلام والسياسة والسلطان ومعظم إخوانه هم من تغشاهم الثقافة الغربية المهيمنة، وقد ينصبغ بعضهم بها فلا يرى السياسة إلا مفتوناً بالدهريات الظاهرة منصرفاً عن الأزليات مدبراً عن ثقافته الأصيلة، إن حفظ الأصالة الإيمانية المتجددة هو ضمان الرشد والهدى في الدوافع والمقاصد والثبات والنفاذ في المناظم والمراسم التي تُسَيِّر حياة المسلمين السياسية والسلطانية ، ولا يجدى أن يقوموا بها تشبهاً بغيرهم بغير أصالة ،أفعالهم كالقرود وأقوالهم كالببغاوات مهما طاب المنقول المحاكي، ولا اتباعاً لبعض الذين نبتوا في دمن الثقافة الدينية التقليدية البائسة الفقه السياسي يقلدونه مفتين في مسائل لا يدركون الأصول والأركان والمغازي في هدي الإسلام جامدين لا يجتهدون ...." أ.هـ ، وتكرر مثل هذا المعنى في باكورة انتاجه الفكري الذي ذم فيه التقليد والجمود عموما، ويقف شاهداً على ذلك كتيبات من قبيل  "تجديد أصول الفقه"، " تجديد الفكر الإسلامي"، "المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع" ،" تجديد الدين" و " منهجية التشريع"، ولا أبالغ إن قلت إن ذمه للتقليد وتمظهره بالتجديد قد طبع جميع انتاجه الفكري، فاستطاع بتكرار هذا النهج  لمدى عقودٍ من الزمن نيل صفة المجدد الإسلامي لدى قطاع عريض من المسلمين داخل السودان وخارجه، تشكلت القناعة لدى كثيرين من هذا القطاع العريض بأن الدكتور حسن الترابي هو مجدد هذه المائة، وأن كسبه في تجديد أصول الفقه والفكر الإسلاميين هو كسبٌ أصيلٌ غير مسبوق، على قرار الإمام الشافعي في إبداع القياس ، وداوود الظاهري في مدرسة ظاهر النص ونفي القياس، أو نجم الدين الطوفي في تخصيص النص بالمصالح أو على الأقل على  قرار الشاطبي في إبداع فقه المقاصد في إطار المصالح المرسلة للإمام مالك ، وقد دأب الدكتور الترابي على هذا النهج  يكرره في كل مناسبةٍ يتحدث فيها، فكان أبداً لا يوفر جهداً ولا يدخر وسعاً في سبيل المماهاة مع التجديد والاجتهاد واستقلال الرأي، من ذلك مثلاً ما صرَّح به في حلقة برنامج الشريعة والحياة التي بثت في 9 مارس 2008م، بقوله لمحاوره فيها : "إنه لا ينتمي لمذاهب أهل السنة ولا لمذاهب الشيعة"،- المصدر، الجزيرة نت-  يريد بذلك أن يقول إنه صاحب مدرسة كلامية وفقهية جديدة هو من وضع أساسها وأقام بناءها، وهذا في وجهة نظري قولٌ يفارق الواقع والشروط الموضوعية للاستقلال المذهبي، ذلك أن التجديد عند طلبة العلم وأهل التخصص الشرعي يدور شرطه كله حول إبداع أدوات استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها العملية أو  ما اصطلحوا عليه بأصول الفقه، بأن يكون للمجتهد الكلي قواعد كلية تستوعب كافة فروعه، فمن لا يملك أدوات لاستنباط الأحكام الشرعية تكون خاصةً به لا يجوز عليه وصف المجدد أو المجتهد الكلي، وسيظل مقلداً ولو تماهى مع غريب الرأي وشاذه، وإن فلح - وهو خالي الوفاض منها- فلن تتجاوز حاله لديهم وصف المجدد الجزئي الذي يجتهد وفق أصول غيره، كما هو  الحال عند ابن حزم والشوكاني.
      يدور في خلد كثيرٍ من الناس أن الدكتور حسن الترابي أتى في الفقه الإسلامي بجديد لم يسبقه إليه الأولون ، يشيرون بذلك إلى أرائه الفقهية والكلامية التي تبدو غريبةً، لا بسبب حداثتها كما يظن بعض الناس وإنما بسبب شذوذها وخروجها عن المألوف العام، وهي في الأصل آراء فقهية مطروقة قال ببعضها رجالٌ من السلف، لكنها تُركت ولم تلق عند الناس قبولاً بسبب الشذوذ، وهذه الآراء التي اختارها الدكتور حسن الترابي لا يجمعها تقعيد ولا رابط  سوى الغرابة، فضلاً عن أنه لم يبدعها هو، فأنت لا تستطيع مهما بذلت من الجهد أن تردها إلى أصل واحد أو قاعدة جامعة، كما هو الحال في الفرعيات الفقهية لأهل كل مذهب، ممن تجتمع فروعهم عند قواعد محددة، مثل قواعد الظاهرية أو أهل الرأي على تعدد أدوات أصولهم من قياسٍ واستحسانٍ ومصالحَ مرسلة ...إلخ ، أو كما هو الحال في مدارس علم الكلام العديدة التي اعتنت بمباحث أصول الدين  "اللاهوت والغيبيات" واتخذت كل واحدةٍ منها لنفسها أصولاً في العقائد والتصورات المتجاوزة تمايزت بها عن غيرها.
    فالدكتور حسن الترابي مع غزارة انتاجه المكتوب، لم يحرر أي مؤلَف يمكن تصنيفه في علم الأصول، يوضح فيه المنهج البديع الذي خلص إليه، وتوسل بآلته لاستنباط آرائه الفقهية من أدلتها الشرعية، فكتيبات من مثل "تجديد أصول الفقه" و"منهجية التشريع"، و"تجديد الفكر الإسلامي"، لا تعدو أن تكون مجرد دعوة للمسلمين لتجديد أصول الفقه الإسلامي وحفزاً لهم على ترك التقليد والجمود، وهو أمرٌ محمود ،لكن لا يمكن بأية حالٍ من الأحوال تصنيفها ضمن كتب الأصول التي تخول صاحبها استقلالاً وتميزاً فقهياً عن سابقيه إلى الحد الذي يجعله يقول: "إنه لا ينتمي لمذاهب أهل السنة ولا لمذاهب الشيعة"، فالحق أنني وقفت على نقدٍ لفروعه من كثيرين، لكن لم أقف فيما وسعني الجهد من الاطلاع عليه مما كُتِبَ بمناسبة آرائه الفقهية على أحدٍ  نقد أصوله لا من أهل السودان ولا من خارجه، لأن النقد لا يمكن أن يقع على معدوم، بينما تم هذا النقدُ مثلاً لأصول محمود محمد طه، فأنت إذا ذهبت تقارن بين الرجلين، تجد أن محموداً قد أنتج كتاباً يصنف في الأصول بغض النظر عن اختلاف الناس على سلامة ما ورد فيه أو فساده "كتاب الرسالة الثانية  من الإسلام"، فهذا الكتاب بنى مسألته الفقهية  "فهمه" على أصلين تندرج تحتهما كل فرعيات الجمهوريين، وهما "القرآن المكي ينسخ القرآن المدني" ، " والقول بالنسخ بآيات الآفاق"، فكل مسألة يطرحها الفكر الجمهوري فيما يخص الأحكام الفقهية العملية تجد سندها يعود عندهم لهذين الأصلين أو لأحدهما، فإن قلت لهم ما هي حجتكم  في قولكم: إن جهاد الطلب قد سقط في القرن العشرين، ردوا عليك بأن آية السيف المدنية منسوخة بالآية المكية الكريمة " ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"، إذ جاء وقت ادخارها، وبآيات الآفاق "عهود ومواثيق الأمم المتحدة"، وإن قلت لهم ما هو سندكم في قولكم إنه لا ردة في إسلام القرن العشرين، أجابوك بأن  كل ما ورد بشأن الردة وقتال المشركين منسوخ بآية "لا إكراه في الدين" وهي على الرغم من نزولها في المدينة فهم يعتقدون أنها مكية مضمونا، وإن قلت لهم ما سندكم في قولكم  بأن الحجاب ليس أصلاً في الإسلام، أجابوك بأنه منسوخٌ بآيات الآفاق التي تسير بالإنسانية نحو خلق الألفة بين المرأة والرجل ليكون الحجاب قلبياً وهو عندهم الأصل وأن العود للأصل أحمدٌ مع مراعاة أدب الوقت حسب قولهم ، وإذا قلت لهم كيف تقولون : إن الشورى لا تصلح لإنسانية القرن العشرين قالوا لك: إن آيتها منسوخة بالآية الكريمة (ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) ومنسوخة بآيات الآفاق الملهمة لفكرة الديمقراطية، وهم على هذا النحو يرودن كل آرائهم فيما يخص الأحكام العملية إلى الأصلين السابق ذكرهما، وأنت بذلك لا تحتاج إلى حجاجهم في الفروع المفتوحة على الإطلاق ولا لمناقشتهم فيها، وإنما لا عليك سوى نقد أصولهم الجامعة وبيان مدى صلاحها من فسادها – أي تناقش منهجهم لأنه أصلٌ ولا تحتاج بعد نقاشه لفحص ثمرتهم، إذ القاعدة عند علماء الأصول أن القدح في الأصل هو قدحٌ في الفرع بالضرورة.
   لقد ركنت لهذا المثال ( كتاب الرسالة الثانية من الإسلام) لأنه من حيث التسلسل الزمني يعد في وجهة نظري آخر كتاب، يمكن تصنيفه في كتب أصول الفقه بغض النظر عن اختلاف الناس حول صلاحه و فساده، فضلاً عن أن كاتبه من المعاصرين للدكتور الترابي، وإذا ذهبت على هذا  النحو تنقح في كتب الأصول - وهي كثيرة – ستجد أن كل مدرسة فقهية بنت لنفسها منهج "قواعد جامعة" يمكن رد كل فروعها إليها، فالظاهرية مثلاً  بنوا أصولهم  على أن مصادر الحكم الشرعي لديهم هي فقط ظاهر النص من كتاب أو سنة حسب دلالات اللغة في كلام العرب من غير تأويل، وإجماع الصحابة، وبناءً على هذين الأصلين رفضوا الرأي بكافة وسائله وأدواته، فأبوا على أنفسهم الأخذ  بالقياس والاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة وإجماع غير الصحابة وأي وجه ٍ آخر من وجوه الرأي، فكانوا إذا لم يجدوا في المسألة نصاً شرعياً من كتابٍ أو سنة يردوها إلى  الاستصحاب وهو عندهم وعند غيرهم بقاء الشيء على أصل الإباحة (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً)، فإن قال لك بعضهم بجواز نكاح الربيبة غير ذات الحجر بانتفاء القيد الوارد في الآية الكريمة "اللاتي في حجوركم" أو قال لك بعضهم: إن سؤر الكلب نجس ولا يتطهر الإناء الذي ولغ فيه  إلا بغسله سبعًا إحداهن بالتراب الطاهر، لأن النص قد ورد بذلك، بينما أن سؤر الخنزير طاهر فيصح الشرب والوضوء من الإناء الذي ولغ فيه من غير حاجة لغسله لعدم ورود نص في ذلك، فأنت في هذه الأحوال لا تحتاج  لمناقشة هذه الفروع وإنما تصير مباشرةً لدراسة الأصول التي أقيمت عليها لإثبات صلاحها من فسادها، ولك مثل هذا القول  فيما يخص مدرسة الرأي باختلاف الأصول المعتمدة لدى كل مذهب من مذاهبها من قياسِ أو استحسانٍ أو سد ذرائع أو مصالح مرسلة ...إلخ. وبمقاربتي للدكتور حسن الترابي، أزعم بما هو مثل اليقين في نفسي أن مثل هذا المنهج مفقودٌ وغائب في أرائه  الفقهية وأحكامه العملية، .إذ  ليس له أصولاً جامعة يمكن دراستها لبيان صلاحها من فسادها، لذلك فإن المتتبع لفروعه يشقى ويحتار في كيفية تخريجها، ولا يملك أهل التخصص في علوم الفقه بسبب هذا الغياب حيلةً سوى تصنيف إنتاجه الفقهي وآراءه العملية في باب ما اصطلح عليه عند طلبة العلم الشرعي "بالاختيارات الفقهية"، لقطفه من كل بستانٍ زهرةٍ أو ثمرة، رغم نفيه عن نفسه الانتماء  لمذاهب أهل السنة والشيعة معاً على النحو الذي أشرتُ إليه فيما سبق، وللبرهان على زعمي هذا  سأدلف على سبيل التمثيل لا الحصر لبعض آرائه الفقهية المشهورة أفككها بغرض معرفة أصولها، والتحقق من هل يصلها منهجٌ جامعٌ أم أن الأمر لا يعدو الاختيار والانتقاء من أقوال السابقين بلا منهجٍ جامع أو قاعدة مُوَحِدة.
    من ذلك مثلاً أن الدكتور حسن الترابي أجاز زواج المسلمة من الكتابي، ولما سئل عن أصل هذه الإجازة "سندها"، قال: إنه نظر في كتاب الله فلم يجد فيه نصاً يحرم ذلك، وهو بهذا قد ردنا إلى أصل الاستصحاب "بقاء الشيء على أصل الإباحة" لعدم وجود النص المانع، وهذا بلا شك إعمالٌ لأصول الظاهرية، وهم من أهل السنة الذين نفى الدكتور حسن الترابي انتماؤه لمدارسهم، كما سبق أن أوضحت ذلك، مع التنويه إلى أنه في وجهة نظري أخطأ الاجتهاد في إنزال أصول الظاهرية على الواقعة محل النظر حين أفتي بالجواز، فإذا استعرنا منهجية تفسير القرآن بالقرآن التي أبدعها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان، نخلص إلى أن ظواهر نصوص القرآن الكريم حرَّمت زواج المسلمة من الكتابي، فظاهر النص القرآني "والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيتموهن أجورهن غير مسافحين.." حَلٌ لذكور المسلمين مثل طعام أهل الكتاب ، وظاهر النص القرآني نظر في ضابط التحريم في الزواج لناحية الرجل ومنه انطلق يحدد من عليه زواجهن حرامٌ ، فقال تعالي: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخت ...إلخ الآية"، ولم ينظر لناحية المرأة فلم يقل تعالى الله :حرمت عليكن آباؤكن وإخوانكن.. إلخ، وظاهر النص يقول ناهياً "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هُنَّ حلٌ لهم ولا هم يحلون لهن" ولفظ الكفار يدخل فيه ضرورةً أهل الكتاب، لأن الكفر لغةً هو التغطية واصطلاحاً هو جحود رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعم من الشرك الذي  قصر عليه الدكتور حسن الترابي التحريم بوقوفه عند ظاهر الآية (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا)، لكأن ظاهر قوله تعالى "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حلٌ لهم ولا هم يحلون لهن" لكأن ذلك ليس من القرآن، وإذا كان هذا هو الحكم بشأن من تزوجن بالكافرين  قبل اسلامهن، " لا هن حلٌ لهم ولا هم يحلون لهن" فمن باب أولى صرفه إلى المسلمات ابتداءً ممن يبتغين الزواج بأزواجٍ من أهل الكتاب، وذلك بسبب اللفظ الجامع (الكفار) الذي يدخل فيه كل جاحد لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم يهودياً كان أو نصرانياً أو مشركاً. يظهر لي أن  الدكتور حسن الترابي بدا في هذا النموذج ظاهرياً غير موفق ، فنسأل الله له أجر الاجتهاد.
نموذج آخر: مسألة إمامة المرأة للرجال، التي رأي الدكتور حسن الترابي جوازها، وهي من المسائل المشهورة التي كانت محل خلاف فقهي عند السلف، ورد في ص (271/22)- ترقيم آلي- من الموسوعة الفقهية الكويتية  ما نصه: ( ذهب المالكيّة إلى أنّ الذّكورة شرطٌ لإمامة الصّلاة، وأنّه لا يجوز أن تؤمّ المرأة رجلاً ولا امرأةً مثلها ، سواء كانت الصّلاة فريضةً أو نافلةً ، وسواء عدمت الرّجال أو وجدت، لحديث " لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة"، وتبطل صلاة المأموم دون المرأة التي صلت إماماً فتصح صلاتها، ووافقهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والفقهاء السّبعة - من فقهاء المدينة - في منع إمامتها للرّجال ، لما روى جابر رضي الله عنه « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : خطبنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : لا تؤمّنّ امرأة رجلاً » ، إلاّ أنّهم خالفوا المالكيّة في مسألة إمامة المرأة للنّساء فيرون أنّ هذا جائز ، والحنفيّة يرون كراهة إمامتها للنّساء ، لما روي عن عائشة أنّها أمّت نسوةً في صلاة العصر وقامت وسطهنّ وكذا أمّ سلمة . كما أنّ بعض الحنابلة يرون أنّه يجوز أن تؤمّ المرأة الرّجال في صلاة التّراويح وتكون وراءهم ، لما روي عن أمّ ورقة بنت عبد اللّه بن الحارث رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذّناً يؤذّن لها وأمرها أن تؤمّ أهل دارها وذهب أبو ثورٍ والمزنيّ وابن جريرٍ إلى صحّة صلاة الرّجال وراء المرأة( أ.هـ،  فإذا جاء الدكتور حسن الترابي بآخرة واختار رأياً فقهياً متروكاً فيما يخص إمامة المرأة هو رأي  أبي ثور والمزني وابن جرير، فإن ذلك لا يصله بالاجتهاد والتجديد اللذان تماهى معهما إعجاباً ومحبة ،لا عملاً وتفكيرا، ولا يقطع بينه والمقلدين عموماً الذين سخر منهم  بقوله: "أفعالهم كالقرود وأقوالهم كالببغاوات مهما طاب المنقول المحاكي"، ولا يقطع أيضاً  بينه وأتباع الثقافة الدينية التقليدية ممن وصف حالهم بقوله : "الذين نبتوا في دمن الثقافة الدينية التقليدية البائسة الفقه السياسي يقلدونه مفتين في مسائل لا يدركون الأصول والأركان والمغازي في هدي الإسلام جامدين لا يجتهدون" ، فالمعوَّل عليه في الاجتهاد والمجتهد، هو الأصول، فمن لا أصول له تستحيل عليه الأصالة في التجديد ويظل مقلداً، وإنْ ذم المحاكاة أو سخر منها،  فإذا كان الدكتور حسن  الترابي اعتمد على مجرد رأي أبي ثور والمزني وابن جرير السابق ذكره، فإنه لا يكون  بمنجاة من التقليد المذموم طالما أنه لم يُظهِرْ للناس الأداة الأصولية المبتكرة التي توسل بها إلى اختيار هذا الرأي وعن طريقها انتهى لهذا اليقين فيما يخص إمامة المرأة، ولا يشفع له بأية حالٍ من الأحوال اعتذاره عن هذا الابتكار الإكثار من القول بمناسبة وبلا مناسبة بأن منهج أصول الفقه جمد لتأثره بالمنطق الإغريقي الصوري، ما دام أن بين أيدينا كتباً في الأصول مثل موافقات الشاطبي، مبدع فقه المقاصد والغايات، ومبتكر فلسفة روح النص بضوابطها الشرعية المعروفة، ومنتسكيو لا زال نسياً منسياً في عوالم العدم. ولا أظن في هذا الصدد أن مجرد الركون إلى استهلال الإمام الغزالي  لكتابه "المستصفى في علم الأصول"  بمقدمات من المنطق اليوناني يصلح  حجةً لمن يزعمون - على طريقة الدكتور حسن الترابي - أن منهج أصول الفقه الإسلامي قد جمد بسبب تأثره بالمنطق الإغريقي الصوري، ودليل ذلك على رأي الدكتور محمد عابد الجابري أن القياس الفقهي يندرج في باب البيان العربي، لا البرهان الإغريقي  "المنطق"، وتحديداً التشبيه بعقد المقارنة بين صفاتِ أصلٍ وفرعٍ  للوصول لعلة الحكم، بينما المنطق الصوري الإغريقي الذي اعتذر به الترابي ضمنياً عن إبداع أدوات في الأصول تم تأسيسه على مقدمتين - على الأقل - مُسَلَّم بهما، ونتيجة، ولا علاقة له بعقد المقارنات التشبيهية على النحو المعمول به  في القياس الفقهي كتطبيق عملي لعلم البيان العربي، ودليل ذلك أيضاً أن بقية أدوات الأصول من استحسانٍ واستصحاب ومصالح مرسلة ...إلخ ليس فيها مقايسة أصلاً لا بيانية ولا برهانية حتى يقال بتأثرها بالمنطق الصوري اليوناني، الذي اعتقد الدكتور حسن الترابي بغير بينة أنه سبب جمود علم أصول الفقه ومن ثم جمود الفقه المؤسس عليه.
مثال آخر:  مسألة شهادة المرأة ونفيه أن تكون على نصف شهادة الرجل مع قبوله شهادتها بإطلاق سواءً في المعاملات أو في القصاص والحدود. إلخ ما اشتهر عن الدكتور حسن الترابي في هذا الصدد.  من المعلوم أن هذه المسألة قتلها الأولون بحثاً وتخريجاً فكان رأى الجمهور فيها أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجلٍ واحد في المعاملات ولا شهادة لهن في الحدود والدماء إطلاقاً، مع تفصيل في شهادتهن منفردات دون الرجال في أحوال النساء، هذا هو رأي الجمهور.
 أما الرأي الشاذ الذي وقع عليه اختيار الدكتور حسن الترابي بشأن شهادة المرأة فيبينه هذا النقل من "المحلى" لمحمدٍ بن حزم الظاهري:  (....ومن طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بين عيينة، حدثنا أبو طلق، أن امرأةً وطئت صبياً فقتلته، فشهد عليها أربعُ نسوة، فأجاز علي بن أبي طالب شهادتهن ، ومن طريق أبي بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث عن أبي طلق عن أخته هند بنت طلق قالت: كنت في نسوةٍ وصبيٌ مسجى، فقامت امرأة فمرت فوطئته، فقالت أم  الصبي: قتَلتِه والله، فشهد عند عليٍ عشرُ نشوة أنا عاشرتهن ، فقضى عليٌ عليها بالدية وأعانها بألفين، ومن طريق أبي عبيد حدثنا هُشَيم عن حجاج بن أرطاة عن عطاء قال: أجاز عمر بن الخطاب شهادة النساء مع الرجال في الطلاق والنكاح، ومن طريق أبي عبيد حدثنا يزيد عن حجاج عن عطاء بن أبي رباح أنه أجاز شهادة النساء في النكاح، ومن طريق محمد بن المُثَنى حدثنا أبو معاوية وهو محمد بن خازم الضرير عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح قال: لو شهد عندي ثماني نسوة على امرأة بالزنى لرجمتها، ومن طريق عبد الرزاق حدثنا ابن جريح عن عطاء بن أبي رباح قال: تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء وتجوز على الزنى امرأتان وثلاثة رجال.....) أنتهى النقل من المحلي، مع ملاحظة أن صاحبه لا يعتقد هذا الرأي وإنما أثبت هذه الآراء للمقارنة– ترقيم الكتروني (397/9)، (398/9)، فإذا جاء الدكتور حسن الترابي بآخرة، واختار هذا الرأي الفقهي الشاذ من غير أن يبين للناس القاعدة الأصولية الكلية التي أبدعها، ليمنع بها التعارض مع  ظاهر النص القرآني الكريم "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"، فإن ذلك لا يُنَجِيه من القدح الذي انتاش به أهل التقليد عموماً في مقدمة سفره المشهور - السياسة والحكم – حين قال عنهم : "أفعالهم كالقرود وأقوالهم كالببغاوات مهما طاب المنقول المحاكي"، ولا يخرجه مثل هذا الاختيار عن فلك القديم إلا برهةً كما السراب يأتيه الظمآن يحسبه ماءً، أو إن شئت التلطف كما  المجاري الموسمية، يأتيها الغريب يحسبها نهراً نبعه مدرارا.
(2)
    تلك كانت بعض نماذج لآراء الدكتور حسن الترابي في أبواب العبادات والمعاملات لا تجمع بينها قاعدة أصولية موحِدة ، اللهم إلا التقليد والمحاكاة التي سخر منها، أما فقهه السياسي، أو إبداعه في باب السياسة الشرعية - التي جنَّد لها عمره كله - ، فلا أريد اختزاله في عبارة السيد المسيح عليه السلام  : "بثمارهم تعرفونهم"، فالبعرة تدلك على البعير، وحال السودان اليوم ينبئك عن مدى سلامة الفكرة أو نضجوها، مِثْلُ خبير، ومنعاً للاختزال المخل سأدلف إلى بعض نماذج من فقه العملي في السياسة الشرعية، لعلَّها تدلل على تأصيل تفكيره السياسي، ولا يعنيني في هذا الصدد التنظير المعقد الذي ورد في كتاب "السياسة والحكم"  بما يدل على ضبابية الرؤية وتشوش عقل الكاتب وعدم وضوح الفكرة- التي عبر عنها- في ذهنه، وقد كفاني مؤونة العناء البروفيسور السوربوني  المتخصص في التاريخ والفكر الإسلاميين المرحوم  محمد أركون حين لخص غياب المنهجية في هذا الكتاب بقوله: " نعم لا يحق لكاتب وكاتب مفكر أن يستعمل اصطلاحاً واحداً دون أن يمعن النظر في تاريخ استعمال هذا المصطلح أولاً، لذلك أكرر أن أساس أي تفكير سياسي يجب أن يكون على التاريخ المحقق لكل اصطلاحٍ يُستعمل، هذا الكتاب نجد فيه كما ذكرت أمثال كثيرة، مصطلحات عديدة، مرة تحيله إلى المعجم القرآني، مرة إلى معجم الفقهاء، مرة إلى المعجم الغربي دون أن يحقق بأي معنى ينتمي إلى الغرب ،يعني اختلاط كبير اختلاط كبير ..فوضى ..هذه فوضى مفهومية" أ. هـ. محمد أركون - المصدر: الجزيرة نت - برنامج الكتاب خير جليس.
  أترك ذلك لمحمد أركون ، وأقارب بعضاً مما تم تطبيقه عملياً من منتوج فكر الدكتور حسن الترابي واجتهاده في باب السياسة الشرعية، وقت أن كان الفقيه الأمير – أي ما قبل المفاصلة الشهيرة-  فعلماء فلسفة الخبرة "جون ديوي " وأمثاله يزعمون: ما من فكرة مجردة أو نظرية مجنحة يجوز عليها وصف الصواب والخطأ إلا إذا لامست أرض الواقع، فتكون ثمرتها مؤشراً يعين على إصدار الحكم الموضوعي الصحيح.
   ظل الدكتور حسن الترابي السياسي، منذ  أن عرفه أهل السودان في أكتوبر 1964م وإلى يوم وفاته عليه رحمة الله، يغني سياسياً بلسانين، يغني للديمقراطية ودولة القانون بلسان، وينشد في نفس الوقت الشورى ودولة الشريعة بلسانٍ آخر، وللمفارقة ،يرغب في تطبيق كل ذلك في حيزٍ زمكاني واحد، مع أنه لا يخفى عليه بأية حالٍ من الأحوال- وهو صاحب رسالة  "سلطات الأزمة في القانون الدستوري " السوربونية المشهورة - أن  الأولى "الديمقراطية" من إفرازات الدولة القومية التي صنعها الغرب، والثانية "الشورى" من ثمرات فقه السياسة الشرعية الإسلامي، الأولى أسست دولتها على المواطنة والانتماء القومي، والثانية أسست دولتها على الدين والأمة، الأولى تجيز لبرلمانها أن يفعل كل الأشياء- وقديماً قالوا ما عدا أنه لا يصنع من الرجل امرأةً  مع أنه اليوم يفعل ذلك "قوانين التحول الجنسي" -، والثانية يستحيل على مجلس شوراها مخالفة أي نصٍ شرعي، وقس على ذلك من أوجه التباين والاختلاف الكثيرة التي رصدها أهل الاختصاص في الدستور والنظم، ومع هذا التباين خاض الدكتور حسن الترابي العجاجة وغمار التحدي، غير عابئ بنصال التناقضات، ولا رماح التباينات، وذهب يؤلف بين كل ذلك بترقيعٍ فتقه لا يلتئم، تجسد هذا الترقيع عملياً في دستور جمهورية السودان لعام 1998م، الذي خيط "والمشروع الحضاري الإسلامي السوداني" في قمة عنفوانه وشموخه في ظل القيادة السياسية والفكرية للدكتور حسن الترابي، الذي ضنَّ على الناس وأبى أن بميط لهم اللثام عن القاعدة الأصولية المبدعة  التي ركن إليها في التأليف بين تناقضات الدولة القومية المؤسسة على ميثاق المواطنة بغض النظر عن التباين الديني، ودولة الشريعة التي لا تعترف بحقوق سياسية إلا للمسلم، أما غير المسلم في ظلها فلا يلي ولايةً صغرى ولا كبرى ووضعه القانوني فيها مثل وضع المقيم الأجنبي في الدولة القطرية الحديثة تماماً، يتمتع فقط بحقوق قانونية مدنية، ولا شأن له بالحقوق السياسية كما تبين ذلك شروط عهد عبد الرحمن بن غنم المشهورة، وتفسره أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية. لم يكشف هذا المشروع  للناس مثلاً الأصل الفقهي الذي تم الاستناد إليه في بناء المادة (4) من دستور 1998م، وتقرأ كما يلي : "الحاكمية في الدولة لله خالق البشر والسيادة لشعب السودان المستخلف يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن وبسطاً للعدل والشورى وينظمها الدستور والقانون"، شعب السودان هذا بمسلمه وغير مسلمه مستخلفٌ، بما يتعارض مع الأصول الشرعية للاستخلاف التي جاءت بها الآية الكريمة " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض"، هكذا عبر مشروع الدكتور حسن الترابي هذا الخضم الشرعي، متصالحاً  مع الشيزوفرانيا الفكرية التي هدته إلى أن يجعل من الفريق/ جورج كنقور أروب على سبيل المثال نائباً للرئيس، وأن يعلن الجهاد على رؤوس الأشهاد بجيش  يضم مواطنين غير مسلمين، من غير أن يبيِّن  مبدع هذا المشروع للناس التأصيل الذكي الذي تجاوز به مبادئ فقه السياسة الشرعية وشروطها  للولاية، سواءً صغرى أو كبري – وهو أمر  لا يجهله الدكتور حسن الترابي-  ومن غير أن يملك الشجاعة الفكرية ليجرؤ بالتصريح بأنه ارتكن في ذلك إلى أسس ومبادئ الدولة القومية "المواطنة"، التي اختار مشروعه الفكري أن تكون السيادة فيها لشعب السودان المستخلف بمسلمه وغير مسلمه ، بما يتعارض مع فقه الشريعة الذي جاء الدكتور الترابي "لتأصيله وبعثه في أمةٍ رأيه فيها أنها جمدت فكرياً وفقهياً"، ومع هذا الركون الواضح إلى الدولة القومية المؤسسة على المواطنة فإن صاحبكم ما تورع أبداً من توصيف مناهضيه سياسياً المنادين بالدولة المدنية - من الذين وقفوا نفس موقفه هذا  – لم يتورع من توصيفهم بالزمنيين، ويشهد على ذلك اللغط الذي صاحب مشروع الدستوري الإسلامي في العام 1968م، الذي انتهت نتائجه عملياً إلى طرد الشيوعيين من البرلمان، كما يشهد عليه اتهام من تبنوا مفهوم الدولة المدنية مؤخراً – كالصادق المهدي وغيره -  بالعلمانية والمروق على مفاهيم الدين، ولك أن تقارن في هذا المقام بين هذا الموقف الفكري المرتبك، وبين موقف رجلٍ زينه الصدق في طرحه  الفكري مثل أبو الأعلى المودودي الذي حدد موقفه من الدولة القومية الديمقراطية بصراحة من لا يخشى فوات جاهٍ أو مالٍ أو كسبٍ سياسي ، حين قال : "ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء، يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى، ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي، ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم وإن نجح مشروعهم فلا شك يكون معجزة.....فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وانجاز مهمته" أ.هـ المودودي – كتاب نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور.
    نموذج ثانٍ، المادة (65) من الدستور السابق ذكره وتقرأ : "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفا هي مصادر التشريع ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول ولكنه يهتدى برأي الأمة العام وباجتهاد علمائها ومفكريها ثم بقرار ولاة الأمر". نحوياً، المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه ، نعتاً وإعراباً، فالشريعة وإجماع الأمة استفتاءً وإجماع الأمة دستوراً وإجماع الأمة عرفاً هي مصادر التشريع، فإجماع الأمة في كل هذه الأحوال مصدر مساوٍ للشريعة، والمساواة بينه وبين الشريعة الإسلامية  تدل على أن المقصود به شئياً آخر غير الإجماع المعروف عند الأصوليين من أهل العلم الشرعي الذين يصنفونه من بين أدوات استنباط الأحكام الشرعية، شأنه شأن القياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وشرع من قبلنا ..إلخ أدوات أصول الأحكام الفقهية، فهم لا يقولون مثلاً إن الشريعة الإسلامية والقياس أو الاستحسان هي مصادر استنباط الحكم الشرعي، وإنما دأبوا على أن الشريعة الإسلامية وحدها هي أصل التشريع أو مصدره ، والوصول إلى استنباط أحكامها يمكن أن يتم بالأدوات السابق ذكرها ومنها الإجماع، والخلاصة العملية لفهم علماء الأصول تجعل النص الدستوري الإسلامي فيما يخص التشريع يقرأ على النحو التالي: (الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع) ثم نسكت، وهذا ما قصد إليه علال الفاسي حين قال في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها بشأن الإجماع: "فالأصلح أن يترك للإجماع مهمته كنظام للشورى بين المسلمين يرجعون إليه كلما عنَّ لهم أمر أو حدث لهم حادث يتبادلون الرأي ويبذلون الجهد لاستنباط الحكم من الدين بما يوافق حاجة العصر ورغبة التقدم" وبهذا ربط استنباط الحكم من الدين بالإجماع وربط هذا الأخير بالشورى المنوطة بالمسلمين وحدهم، فلك أن تقارن بين هذا وما  ورد في دستور "المشروع الإسلامي السوداني" الذي أناط الإجماع بالأمة في دولة مؤسسة في حقيقتها العملية على القومية والوطنية لا على الأممية بعد أن أثبت في المادة (4) منه  السيادة لشعبها بمسلمه وغير مسلمه كما المحت سابقاً، ومقتضى ذلك أن غير المسلم ينصبغ قسراً بالقواعد الشرعية التي تخص المجتهد المسلم ويصبح من أمة المسلمين المنوط بها الإجماع ، لا بل أكثر من ذلك  جعل إجماع الأمة كمصدر للتشريع "القانون"  مساوياً للشريعة،  والنهاية المنطقية لهذا الطرح أنه يجوز لبرلمان السودان أن يستقي قوانين البلاد من الشريعة، كما يجوز له أيضاً أن يستقيها من إجماع الأمة "السودانية " استفتاءً بمسلمها وغير مسلمها، وهكذا اختلط المفهوم الشرعي بالمفهوم الزمني، والتبست مفاهيم الشورى بالديمقراطية، وتمازج مفهوم الدولة القومية الوطنية مع مفهوم الدولة الإسلامية الأممية، من غير أن يقل لنا منظرو هذا المشروع وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي شئياً عن الاجتهاد المبدع أو الأصل الشرعي الذي استندوا إليه في إجازة مثل هذا التخليط، هذا التخليط  فيما يخص أمر السودان "الدولة القومية الأممية الديمقراطية الشورية" في الزمكان الواحد، قد سبقه تخليط مماثل في فكرة انعقاد المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي نقل تناقضات المشروع الفكري للدكتور حسن الترابي إلى المستوى الإقليمي وقت أن كان صاحبكم الفقيه الأمير تماماً كما المهدي بن تومرت في دولة الموحدين، فرأينا بأم أعيينا الأرثوذكسي القومي العروبي جورج حبش واليساري القومي العروبي نايف حواتمة يعانقان المشروع الإسلامي الأممي في الخرطوم ممثلان للقومية العربية، كأن مُنَظِّر هذا المشروع ما سمع عن جدل هيجل ولا عن ديالكتيك ماركس اللذان جزما من واقع تحليل التاريخ بعلمية يقرها المسلم وغير المسلم ، أنه  ما من مشروع أو فكرة إلا وتموت بسبب التناقضات الكامنة فيها، فكيف أراد الدكتور حسن الترابي بعد ذلك  لجنينه أن يرى النور وتناقضاته في لحظة الولادة أوضح من الشمس في رابعة النهار. نعم قديماً حلم الكواكبي بمؤتمر أم القرى وجسد حلمه هذا في سفرٍ يقرأه الناس، فلله دره وأَعْجٍب به من حلمٍ مشروع يقارب الواقعية ألف مرة من تطبيقاتٍ عملية صرف الناس عليها أموالاً وأهدروا فيها من وقتهم الثمين "المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي"، ولو كانت عينُ الخيال حاضرةً لوفر الدكتور حسن الترابي على الناس كل هذه الجهود لكنه للأسف ركب مركب السياسي المهموم بالمكاسب لا المفكر الذي يأنف عن ركوب التناقضات، ولو ذهبت في حقل السياسي  تقارن بينه وبين ميكافيلي صاحب الأمير، لوجدت فكر هذا الأخير وقراءته الواقعية للتاريخ أفاد منها أميره في توحيد إيطاليا القومية فكان نبل الغاية والمقصد غفراناً لمرذول الوسائل، فماذا أفدنا نحن أهل  السودان من وسائل الدكتور حسن الترابي وتفكيره السياسي منذ أن أطلَّ على الشأن العام في  1964م؟ سوى التشرذم والتفكك والانقسام، وبناء مجده الشخصي إن أردت تزيداً.
   وفي خاتمته أقول - ولا أصادر على رأي أحد-  لا تحدثني عن إعجابك بمفكرٍ ذري أو مصلحٍ اجتماعي إلا بثمرة انتاجه، ونفعها للناس في معاشهم ومعادهم، وإلا فحالك لن يعدو حال الوثنيين من أهل الأيديولوجيا الذين ألمح إليهم الإمام الغزالي عليه رحمة الله بقوله: " فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائلٍ حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن كان باطلاً" ، أقول إن كان للدكتور حسن الترابي عليه رحمة الله من ثمرة، فثمرته، أنه بجرأته المعهودة ، قذف حجراً في آسن الجمود الفكري الذي ضرب بأطنابه على الفقه والفكر الإسلاميين ، فأشار عليه رحمة الله مثل كثيرين للداء لكنه لم يوصِّف علاجاً، وحاول نقل الدين إلى رحاب صناعة القرار السياسي لكنه لم يبدع لا أصولاً شرعية ولا مناهج وضعية تخدم قضية الوطن، وإنما شغل نفسه بكيد السياسة والغالب فيها والمغلوب، فأنتج تناقضات عبقرية هزمت مشروعه في لحظة الميلاد، فاستحق بهذا الكسب الممحوق أن ينضاف بامتياز إلى قائمة عباقرة الفشل في التاريخ الإنساني، فآهٍـ آهـ على حظ السودان العاثر، وآهٍـ أن تتبدد طاقة رجلٍ في ذكاء الدكتور حسن عبد الله الترابي، لتذهب أدراج الرياح فيما  لا ينفع الناس.  
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،
















الأربعاء، 17 يوليو، 2013

حديث الوحدة والانفصال

بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الوحدة والانفصال ..
بقلم : خليفة السمري- المحامي .

السودان ..وما أدراك ما السودان ..أقوام وأعراق شتي وثقافات متنوعة ولهجات تعد بالمئين،ديانات وطقوس وعادات ضاربة في عمق التاريخ ، هذه الأخلاط التي قد يحار في تحليل جدلياتها علماء الانثربولوجي وأركيولوجيا التاريخ جاءت على قدر لتجتمع في محيط جغرافي واحد ،تنصهر في بوتقته من غير تكلف،وتتعايش فيما بينها على الفطرة والسجية ،يغلبها الطبع على التطبع، وينداح بينها سلامٌ تعكر صفوه أحياناً مناوشة قبيلةٍ مع أخرى أو بيتٍ داخل القبيلة نفسها مع بيتٍ آخر وسرعان ما تتدخل "الأجاويد" ليعود إلى البوتقة الطبع المسالم .. ظلت الحياة في هذا الكيان الجغرافي تنحو على هذا النحو قرون من الزمان طويلة إلى أن حلت به في آخر أيامه لعنة الساسة والسياسة.
الساسة هؤلاء سعوا بوعي أو بلا وعي –إلا من رحم ربي - إلى تأطير كيان السودان على نحوٍ لا جامعٍ ولا مانع إذا ما أردت أن تضع تعريفاً لشعب الدولة،وشغلوا أنفسهم بصراع الأهواء لا البحث عن الهوية كما يزعمون ،فللأسف ظل كل فريقٍ فرح فخور بالاختزال الذي هداه إليه هواه الأيديولوجي ،ولو كان هذا الاختزال يعارض الحقيقة المعرفية، ويناقض واقع الحال ،فوهم الإيديولوجيا هو المقصود بالإشباع ،حتى لو تقوضت البلاد أشلاءً،وفي سبيل هذا الإشباع الرغبوي اعتسفوا الواقع اعتسافاً ،فصلوا لأجله قمصاناً للبلاد لا تناسب حجمها ،ولا ترضي ذوقها ،وحاديهم إلى كل ذلك إرضاء الغرور الإيديولوجي الذي حصدنا ثمرته تصدعاً ها نحن نتباكى الآن لأجل تلافيه ونطلق الحملات لمنع آثاره الضارة ونرهق أنفسنا عسراً بما جنت أيدينا لا أيدي الغرباء،مع أنه كان في الأمر سعةً وفسحة ،فقد وضع الله عنا الإصر والعنت والمشقة ولكن أبينا على أنفسنا ذلك كأن لنا بقبيلة يهود أواصر صلة أ و وشائج قربي ، قيل لهم لا تعدو في السبت إذ كانت حيتانهم تأتي إليهم شُرَّعاً فأبوا ذلك على أنفسهم واختاروا العنت والمشقة والطقوسية وضيعوا جوهر الدين الذي جاء لإسعاد البشرية لا لنكدها وشقائها ،"وربك يكضب الشينة".
إن نهج اختزال النسيج الفسيفسائي السوداني في بعدٍ واحد قصم ظهر البلاد وأقعدها عن التطور واللحاق بنظائرها من الدول التي ارتكن قادتها إلى ما يجمع ويوحد لا إلى ما يشتت ويفرق ، نهج الاختزال هذا ظل للأسف يسكن لا شعور النخبة السياسية الفاعلة في كل مراحل تاريخ الحركة السياسية السودانية الحديثة ، ولم ينفك عنه حتى الذين رفعوا شعارات الدولة المدنية ومفاهيم الحداثة السياسية ،وبسبب هذا الداء المتمكن من النفوس جاءت جل أفعالهم السياسية معارضةً لأقوالهم وخطبهم الحماسية، يحدثك بعضهم عن إيمانه بالديمقراطية إلى حد التضحية بالروح،لكنه لا يرعوي أبداً أن يقف مدافعاً عن طرد خصومه السياسيين من البرلمان بل يتحدى أحكام القضاء لأجل مكسبه السياسي وإشباع رغائبه الإيديولوجية ، ويقف بعضٌ آخر منافحاً عن حقوق الإنسان إلى أن تنتفخ منه الأوداج ،وفي أول سانحة انقلاب عسكري تجده في الصف الأول يمارس الكيد ولا يربأ عن تعذيب الخصوم جسدياً ونفسياً ، يقول الواحد منا إنه يؤمن بوحدة السودان إيمان العجائز وتجد أفعاله بوعي أو بغير وعي توجه بوصلته إلى عكس ما آمن به،ومن عجيب الأمر ، لا ينزعج الواحد منا من مثل هذا الانقسام النفسي بل ينام قرير العين حالماً بالوحدة ورفاه الدولة ،وما درى المسكين أن فعله السياسي المخاتل هو الذي أثمر هذا الغسلين الذي نتجرع مرارته الآن ،وبدلاً من لوم النفس وممارسة نقد الذات ،تجدنا نبحث عن الدسائس والمؤامرات المتوهمة لنحيل عليها فشلنا وشيزوفرينيانا السياسية علنا نجد في ذلك تبريراً يدخل على النفس شيئاً من راحة أو قليلاً من إرضاء الضمير ،ولكن ولات حين راحة وولات حين ندم.
أنظر أخي القارئ في أحداث السياسة السودانية كيفما اتفق لك النظر،فإنك أبداً ،تجد العجائب والغرائب، الكل يزعم أنه مصلح وأنه ديمقراطي من غير أن يكلف نفسه أو يواجهها بمدى استعداده لدفع ثمن الحرية والديمقراطية ،ديمقراطي والسلام ، وحدوي والسلام، يساري ،يميني والسلام ،من غير أن يقف ليفكر بموضوعية عن ماهية الأيديولوجيا التي تحفزه إلى الفعل وهل يا ترى تصلح وسيلة لتحقيق أهداف الوحدة والسلام التي ينشدها أم لا؟،أنظر إلى كافة ضروب الأيديولوجيا السياسية السودانية فماذا تجد غير الترديد الببغاوي وتكرار الحديث عن الأفكار التي لا تلامس واقع البلاد ولا تحل مشاكل العباد بل تعقد الحياة السياسية وتزيد إشكالات البلاد ضغثاً على إبالة.فالأفكار المجردة على رأي علماء المناهج لا يسبغ عليها وصف الصحة والخطأ إلا بعد وضعها موضع الفعل والعمل والتطبيق فإن أدت غرضها فهي صحيحة بالنسبة للفعل والعمل الذي طبقت عليه وإن هي قصرت عن ذلك فهي خاطئة بالنسبة للعمل والغاية المقصودة منها، ولا يغير من ذلك صحتها في فعلٍ وعمل آخرين، فكما لكل مقامٍ مقال ، فلكل فكرة حيزها الزماني والمكاني ،فإن أنت حاولت فكها عن نسبيتها تكون بذلك وقعت في الشرك الخفي حال كونك أصبغت عليها صفة من صفات الله "الإطلاق والتجريد الذي لا يحده زمان ولا مكان".فنحن حين صنمنا الأفكار والأيديولوجيات وعبدناها من دون الله حل علينا هذا العذاب ليطهرنا ويعيد إلينا عقولاً ألغيناها ،ويلفت أنظارنا إلى سعادةٍ ورحمة كنا ساكنيها فأبيناها بطراً وكفراً بالنعمة ،واخترنا بدلا عنها الشحم مواربةً على طريقة اليهود وما علمنا أن في هذا الشحم كلسترولاً يعجل ساعة الحتف والفناء،فليتنا علمنا أنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
هذا هو حال نخبنا السياسية ،أخي القارئ ،يبشرك أحدهم بالبعث العربي أو الناصرية العربية من غير أن يتأمل في مخرجات هذه البشارة ومآلها على وحدة العباد ووحدة البلاد، بلادٌ تتعدد ثقافاتها وأعراقها ،ويريد هذا أن يختزلها لتلبس قميصاً فصل وخيط لغيرها ،بل حتى لحمة قماشه وسداه تم غزلها من واقع غير واقعنا وظروفٍ غير ظروفنا ، وقل مثل ذلك عن ماركسيٍ يبشرك بأن الحل يقبع في جدلية ماركس التاريخية ، "فهي التي تحلل أدواءنا وتبصرنا بمشاكلنا الطبقية وباستصحاب منهجها تحل المشاكل وتتحقق لنا جنان أرضية نقطف منها أنى شئنا فترتفع من بيننا الضغينة والشحناء" ، وما درى هذا المبشر أن معطيات علاقات الإنتاج التي أفرزت الفكر الماركسي - بغض النظر عن حقه وباطله – لم توجد على أرض السودان بعد، لكنه يريد أن يعتسف الحقائق ويقفز بالتاريخ قفزات وهمية يشبع بها نهمه الأيديولوجي،ومن العجب أنه لا ينقص من لذة الإشباع هذه سكناه في الأبراج العاجية وتنظيره للبروليتاريا المغلوب على أمرها من فوق شرفات المنشية والعمارات.
هذا هو حال يسارنا ،وإن أنت أدرت ناظريك تلقاء اليمين تجد أيضاً عجباً عجاباً، يقول لك أحدهم إنه يؤمن بأن لا مخرج للسودان الموحد إلا في الدولة الإسلامية ،وإذا سألته وقلت له الدولة الإسلامية بفهم من،وإسلام من ؟ أجاب بلا تلفت ولا تفكير ،إسلام القرآن والسنة. وهكذا يختزل كل الخلافات الفقهية ،وتباينات أصول الدين في إجمالٍ كأن صاحبه ما سمع عن صراع المعتزلة والأشاعرة ولا عن أهل السنة والجماعة ولا عن الشيعة في مذاهبهم التي يكفر بعضها بعضا ولا عن الجهمية والخوارج والأزارقة والحشاشين.. إلخ الفرق الإسلامية التي فصلت عقائدها وأفكارها كتب الملل والنحل، ناهيك عن اجتهادات المعاصرين من تكفيريين ومعتدلين وتجديديين وحداثيين إسلاميين ،كل واحدٍ منهم يزعم أن إسلامه هو إسلام القرآن والسنة الصحيح ،وأن فهمه للإسلام وفكرته عنه ولو كانت ضبابيةٍ مبهمة هي الوحيدة القادرة على حل مشاكل دنيانا الفانية،فليت شعري هذه الدنيا خلقت لمن؟ . إنه لا شك عندي أن ضبابية أيديولوجيا اليمين وهلاميتها ساهمت هي الأخرى - مثل أيديولوجيا اليسار تماما -بقدر ونصيب في إنتاج مقدمات تهديد وحدة البلاد،فمثل هذه الضبابية هي التي جعلت الأب فيليب غبوش يقف يوماً في برلمان السودان في العام 1968م ليسأل عما عنَّ له بشأن مشروع الدستور الإسلامي فأدخل الجميع في حرج حديث دولة المواطنة الشهير، وما كان ذلك الحرج بسبب قصور في الإسلام عن حل مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية ،ولكن بسبب قصور اجتهاداتنا وعدم صراحتنا مع أنفسنا في مواجهة الحقائق،فأنت إذا ألقيت نظرة في موافقات الإمام الشاطبي المتوفي سنة 590هـ مثلاً أدركت أن الرجل متقدم علينا في الاجتهاد وفي ابتكار الحلول العملية للمشكلات بفراسخ تاريخية ليس قطعها علينا بيسير ،رغم أننا نعيش في العام 1431هـ بفارق زمني بيننا وبينه يقارب الثمانمائة سنة، ففقه المقاصد الذي فصل نهجه الإمام الشاطبي حل كثيراً من مشكلات زمانه بل تجاوز زمانه إلى زمان الناس هذا ،ومع ذلك لم نحتفي لمثل هذه المناهج ،ولم نلق لها بالاً ،ولو كنا جادين في حل مشكلاتنا العصرية لاستصحبناها ولسعينا إلى تطويرها على نحوٍ يعالج مشاكلنا وعلى رأسها مشكلة علاقة الدين بالدولة التي ظللنا نتعاورها بمنهجية كيدية لا علاقة لها بمناهج البحث عن الحلول ،فالمواءمة بين التراث والحداثة ليست بالشيء المستحيل لكن ارتكاننا إلى الإيديولوجيا هو الذي هزمنا ووضعنا في خانة قطبية الاختيار هذه، فكتب علينا إما أن نحيا في استلاب الماضي وإما أن نشقى بمادية الحداثة في صورتها البغيضة فلا منزلة بين المنزلتين ومن هذا المنطلق الجبري تولدت كل متاعبنا ومشكلاتنا السياسية ،ولكن قل لي بالله عليك،مالي والشاطبي وابن تومرت وعلال الفاسي ومبدعي المغرب العربي جميعاً،كيف نتطلع إلى مشاريع أولئك الأباعد ،وها قد عميت عيوننا عن منهجية أولي القربى والأرحام، أعني بذلك الإمام المهدي ومنهجيته التي خطها للتعامل مع النصوص ،أقول منهجيته وقرأته الحرة للنصوص التي تخلص فيها من محددات الفقهاء وقواعد أصولهم فلا اعتبار عنده إلا للسند أما الفهم فهو رجل مثلهم له عقل مثلما لهم عقول ،فقد تكون مادة مشروع الإمام المهدي تخلفت عن زماننا هذا في بعض جوانبها لكن منهجه الفكري لتوليد الحلول لا زال بكراً فتياً ينتظر من يحتفي به ويرنو إلى من يطوره ويتخذ منه مطيةً وطنيةً زلولاً تيسر علينا رحلة السفر الشاق، وبدلاً من هذا الارتكان الميسر ،اخترنا لأنفسنا المشقة ،فضربنا أكباد الإبل في كل بلاد الله نبحث عن الحلول تارةً ذات اليمين وتارةً ذات الشمال،إلى أن هُدينا مؤخراً - وبعقلٍ مقفل وفي حسن نية على أفضل التقدير -إلى استصحاب مشاريع الأستاذ أبو الأعلى المودودي عليه رحمة الله ورأيه في الدولة الإسلامية الأممية ،وحاولنا أن ننزل مقولاته وأفكاره إلى واقع التطبيق مع أن ذات الرجل حذرنا وقال لنا إن مشروعه الفكري لا يصلح للدولة القومية أبداً حال كونه مفصل لدولة الإسلام الأممية ،يقول الأستاذ أبو الأعلى في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ( ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء،يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى،ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم وإن نجح مشروعهم فلا شك يكون معجزة.....فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وانجاز مهمته). هكذا نصحنا الأستاذ المودودي عليه رحمة الله بعدم مقاربة مشروعه السياسي إلا إذا استوفينا شروطه قاطبة ،فلوينا له رقابنا وقلنا له نحن مفتونين بسلفيتكم حد العشق والهيام ،وخضنا مع الخائضين إلى أن بان لنا الأمر ضحى الغد ، وها هو لسان حالنا يقول اليوم مع صاحب البردة عليه رحمة الله :"محضتني النصح لكن لست اسمعه إن المحب عن العذال في صمم" .فهذا الصمم أخي القارئ هو الذي أوردنا مورد التهلكة وجعلنا ضحايا لعشق الأيديولوجيات وشهداء لاجترار الأفكار بلا تأمل ولا روية،والعيب ليس في الأيديولوجيات ذات نفسها ولا في استلاف الفكر الإنساني لحل مشاكلنا خاصة بعد أن أصبح العالم قرية ً واحدة في ظل التقنية الحديثة ،وإنما العيب كل العيب في النقل الحرفي للأفكار والتعصب لها ،خاصة الأفكار السياسية ،ذلك أن الفكرة السياسية عادةً ما تنتج من معطيات واقعها وتفاعلات مشكلات مجتمعها وتتأثر بمحيطها الزماني والمكاني فيجب عند التعاطي معها أخذ كل ذلك في الحسبان وهذا للأسف ما افتقدناه في استلافنا السياسي فكان الحصاد هذا النكد الذي تلوح في الأفق منذرات وقوعه وآثاره الضارة على وحدة البلاد، وللأسف فإن الجميع –إلا من رحم ربي – قد ساهموا بقدرٍ ونصيب في إنتاج مقدمات مهددات الوحدة لا اختلاف في ذلك بين يمينٍ ويسار ،فلو قيض لأهل اليسار أن يلوا الأمر في ظل مشاريعهم التي يطرحون فإنها أيضاً هي الأخرى ستوصلنا إلى نفس النتيجة ،وستهدد هي الأخرى الوحدة الوطنية وتصيبها بشروخٍ تعيا على الراتق حال كونها كلها مشاريع تجزيئية تضيق عن الكل ولا تستوعب الجميع ، وعليه أرى أن الحل يكمن في التخلص من هذه الهيمنة الأيديولوجية لتحل محلها نظم التحليل المعرفي والبحث العلمي الحديث للوقوف على الحقيقة العلمية ومعالجة المشكلات على ضوئها،بدلاً من الارتكان إلى الأيديولوجيات التي تعلي من شأن الباطل وتصوره للناس على أنه الحق الذي ما بعده حق، يقول الإمام الغزالي عن الأيديولوجيا – إذا جسدناها- يقول عنها عليه رحمة الله : "فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائلٍ حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن كان باطلاً،..وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقاً،فهم أبداً يعرفون الحق بالرجال،ولا يعرفون الرجال بالحق،وهو غاية الضلال" ،وهكذا تفعل الأيديولوجيا في عقول الرجال،فهي دوماً تعطل عندهم ملكة التحليل، وتقف حائلاً بينهم وبين مواجهة الواقع وإبداع الحلول لمشكلاتهم ومعضلاتهم ، لا ، بل تجعلهم يرتكنون إلى الوصفات الشعبية غير العقلانية يتلمسون لديها الحلول حتى لمشاكل السياسة والاقتصاد فيزيدوا مشكلاتنا بذلك ضغثاً على إبالة وبواراً على بوار ،وما أظن أن بمثل هذا تبني الأمم نهضتها وحضارتها التي تنشد.
وحتى لا أبخس الناس أشياءهم فإنني أقول عند خاتمة هذا المقال إن المحافظة على وحدة السودان توجب في وجهة نظري استصحاب مفهوم الدولة المدنية الذي حاول السيد الصادق المهدي من خلاله تلطيف سفور الدولة القومية العلمانية وتجنب سلبيات الدولة الدينية،والدمج بين إيجابيات الاثنين معاً في مشروع فكري يلامس واقع البلاد والعباد،ويحافظ في ذات الوقت على إرث أهل السودان الإسلامي، فهلا تعاضدت جهودنا جميعاً لإنجاح هذا الطرح الفكري كوسيلة للخروج بالبلاد من ورطة مهددات الوحدة والسلام التي تلوح في أفقنا السياسي في هذه الأيام.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

خليفة السمري – المحامي .

الدولة المتفرجة مفهوم حكم جديد

بسم الله الرحمن الرحيم
"الدولة المتفرجة مفهوم حكمٍ جديد"
بقلم : خليفة السمري – المحامي.

بشرتنا الإنقاذ في مطلع فجرها الصادق أو الكاذب –لا أدري – بأنها لأجل "الغبش" والمسحوقين أنطلق قطارها وأن رفع المعاناة عن المواطن كان دافعها وحاديها،صدقنا وآمنا وتدافعنا زرافاتٍ ووحدانا لتأييد الحكومة المتدخلة في كل شأن،ظناً منا بأنها خرجت من كنف الغلابة،ولا تحتاج إلى من يشفع لهم عندها، حال كون القيادة فيها بحزنهم ملتصقة،وبما تصبو إليه نفوسهم مطلعة،وها قد مضت علينا إحدى وعشرون كاملةً،دارت خلالها دولتنا على نفسها دورات ودورات إلى أن أبدعت لنفسها وصفاً وشكلاً في الحكم لم تعهده نظم السياسة،ولم تعرف مثله نظريات الحكم والسلطان،بل أظن أنه يحار في تكييفه فقهاء القانون الدستوري ومنظري النظم السياسية،إنْ قيض لهم النظر في جواهره ومضامينه.
سمعنا في علوم السياسية عن الدولة المتدخلة أو دولة الرعاية،وسمعنا عن الدولة الحارسة ،بل سمعنا عن دولة المنزلة بين منزلتين ،وشنفت آذاننا أنماطٌ كثيراتٌ أُخر من صور الدولة وأشكالها،لكن أبداً ما خطر على بالنا مفهوم الدولة "المتفرجة"،ولم يكن عندنا من المفكر فيه– إذا استعرنا محمد أركون – إلا بعد أن تمخضت عنه دولة الإنقاذ واحتفت في حرارة بميلاده،ولعمري إنها لكارثة أن ينتهي دور الدولة إلى الفرجة والمشاهدة والتنصل عن كافة مسئوليات دولة الرعاية،خاصةً وأننا نعيش في دولة يصنفها أهل النظر السياسي بين عداد الدول المتخلفة،-وتلطفاً نقول دول العالم الثالث- التي تعاني من الديون وشح المال وقِل الادخار،ومن ثم فإن حظ مشروعاتها التنموية من التنفيذ عادةً ما يكون قليلا،ولا يرتجى في مثل هذه الدول أن ينهض القطاع الخاص فيها بمهمة التنمية والنمو،مهما وفرنا له من المعينات النظرية والقانونية والاقتصادية،ولن يطلع بهذا الدور،حتى لو حفزناه بالإعفاءات الجمركية والضرائبية ،وحتى لو رفعنا عن كاهله الإتاوات التي عوقت عملية الإنتاج في بلدٍ يعاني شح الصادرات.
هذا الحديث يقودني إلى ما طالعتنا به الصحافة السودانية في الأيام القليلة الماضية عما انتهى إليه المسؤولون أخيراً من إلغاء أمر تأسيس الهيئة القومية للكهرباء،وتكوين خمس شركات بدلاً عنها،قيل عنها إنها مملوكة للدولة السودانية،وفي هذا المقام لن أتحدث عن النواحي الفنية التي تحكم العلاقة بين هذه الشركات وهي تتصدى لمهمة توفير خدمة حساسة مثل خدمة الكهرباء،فذلك ليس من شأني لكوني أصلاً لا أفهم فيه،وإن كان قد أثار في نفسي أسئلة ستبقى بلا إجابة إلى أن يبان لنا الأمر ضحى الغد،فالشركات التي تمخضت عنها الهيئة القومية للكهرباء حسب الصحافة السودانية هي الشركة السودانية للتوليد الحراري، والشركة السودانية للتوليد المائي، والشركة السودانية لتوزيع الكهرباء، والشركة السودانية لنقل الكهرباء،وشركة سد مروي،وقد شد انتباهي في الخبر الذي نقلته صحافتنا السودانية،أن الشركات الخمس المذكورة مملوكة للدولة، والذي أعلمه من واقع تخصصي القانوني أن الملكية الفردية لا يصح ولا يجوز أن يصبغ عليها وصف الشراكة،ذلك أن طبيعة الشركة أو الشراكة تقتضي أن يتقاسم الملكية فيها شخصين على الأقل أو أكثر،لذلك كنا نسمع في غابر أزمان الدولة السودانية عن الهيئة العامة للاتصالات، وعن الهيئة القومية للكهرباء،وعن المؤسسة العسكرية، وهلم جر،حال كون مالكها شخص واحد هو الدولة،فلم يألف أهل القانون ولا أهل السودان أن يسبغ على هذه المؤسسات والهيئات وصف الشركة ،وبهذا فإن الأمر لا يحتمل في وجهة نظري سوى أمرين ،أمرين اثنين فقط لا ثالث لهما ،فإما أن تكون هيئة الكهرباء قد خصخصت وطرحت أسمها للاكتتاب والتداول في سوق المال وفي هذه الحالة تكون قد اتخذت شكل شركة المساهمة العامة أو المحدودة صفةً لها تميزها عن غيرها من إدارات الدولة ومؤسساتها،وإما أنها لا زالت مملوكة لها،وبالتالي لا يصح أن توصف بأنها شركة أو شركات تقوم على رأسها جهةٌ قابضة طالما أن ملكيتها لا زالت في يد شخصية معنوية واحدة نسميها في علوم السياسة والقانون "الدولة".
وليكن ،فالنعوت والأسماء والصفات لا تهم ، فالقاعدة الفقهية "أن العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني"، سمها شركة ، ولا زالت مملوكة للدولة، ولمصلحة الحوار نقول أسلمنا مع المسلمين، لكن ما يؤيد وجهة نظرنا بأن أمر الهيئة آل إلى القطاع الخاص أو على الأقل في طريق أيلولته إلى هذا السوق البراق،أن صحيفة سودانايل الألكترونية قالت في خبرها بشأن هذا الموضوع بعد أن أسمت الشركات المنبثقة عن الهيئة ومديريها،قالت الصحيفة ما نصه " على أن تباشر الشركات مهامهما في توليد وتوزيع وشراء الكهرباء وتعمل على أسس تنافسية تقليلاً للتكلفة ورفعاً للكفاءة الفنية والإدارية وخلق بيئة جاذبة للقطاع الخاص للاستثمار في مجال الكهرباء"، وتعليقاً على ذلك بدوري أقول لقد رأينا من قبل،الأسس التنافسية في شركات الاتصالات التي أفرغت جيوب أهل السودان من المال ، بل كان لها القدح المعلى والحظ الأوفر في إنتاج التضخم الذي أصاب العملة السودانية مؤخراً بسبب تصديرها العملات الحرة لخارج البلاد، فالأسس التنافسية في حقيقة أمرها تحتاج إلى سوق رأسمالية ضخمة ومنفتحة،وشروطاً تضمن عدم الدخول في كارتلات واحتكارات تجارية، وهذا أصلاً لا يتوفر في الدولة السودانية التي يجوز لنا أن نقول عنها بشيء من الصراحة ومواجهة الذات أنه ليس لديها موارد مستغلة تخلق القوة الشرائية المطلوبة والموفية لشروط القدرة التنافسية المعافاة من علل الاحتكار والتكتلات النفعية،لذلك فإنَّ تدخل الدولة بدعم قطاعات الكهرباء وقطاعات الطاقة أمرٌ مطلوب ،لا بل أمرٌ واجب، وإذا اتجهت الدولة في غير هذا الاتجاه فإنها بلا شك ستجعل من المواطن ضحية للمضاربين بأموالهم في قطاعات حيوية من مثل مرفق الكهرباء، فالتطوير النسبي في هذا المرفق تم بالفعل،وفي ظل جهود الدولة نفسها ولا تنكر ذلك إلا عينٌ قذئة تتجافى الحقيقة الموضوعية،الأمر الذي نرى معه أن التعلل بتطوير المرفق كسبب لعرضه في سوق الخصخصة هو عذرٌ واهٍ ،وحجة مضروبة ، لا تسندها حقيقة علمية ولا تؤيدها الموضوعية المتحللة من الغرض والهوى،فلو رغبت الهيئة فعلاً في تطوير أدائها وخدماتها فلتضاعف من حوافز العاملين فيها ، ويومها ستجني ثمرة ذلك نهوضاً في هذا المرفق الهام،ولا يغرنك ديكورات إدارات شركات القطاع الخاص ولا إعلاناتها التجارية ومكاتبها الوثيرة التي تعد خصيصاً لاصطياد المسؤولين وإيهامهم بأن لها القدرة على النهوض بقطاعات التنمية والنمو في البلاد، فوالله إن ذلك لا يعدو أن يكون نوعاً من بيع القاذورات المغلفة في أوراق السولوفين البراقة،خاصة في عالمنا الثالث الذي تعاني فيه الدولة من عدم القدرة على خلق الوظيفة المنتجة،ومن ثم عدم القدرة على خلق القوة الشرائية التي تضمن توازنات العرض والطلب والمنافسة في سوق الحرية الاقتصادية.
إن دولة السودان خرجت إلى حيز الوجود دولة رعاية متدخلة، فهي تحمل هموم المواطن الحياتية اليومية من صحة وتعليم ..إلخ وتتدخل فيها تدخلاً مباشراً،وتقوم بأمر معاشه ،تماماً مثل ما تقوم بمهمة أمنها وأمنه وحراسة حدودها من تعدي العاديين، وهذا الدور أملته عليها ظروف موضوعية لا أعتقد أن شيئاً منها قد تغير، من هذه الظروف أنه يستحيل على القطاع الخاص التصدي لمشروعات التنمية الكبرى من طرق وجسور وموارد مائية ومشاريع زراعية وصناعية كبرى وغيرها من المشروعات المهمة للنهضة بالمجتمع السوداني حال كون الحافز لديه للولوج إلى هذه المجالات ضعيف جداً بسبب ارتفاع عنصر المخاطرة وبطء جني العوائد،ومنها أيضاً أن القطاع الخاص عندنا قطاع صغير ومحدود تنقصه القدرة التنافسية اللازمة لقيام التوازنات المفضية إلى استقرار سعر الخدمة عند وضعه الطبيعي المفترض،وهذه المحدودية تسهل مهمة الاحتكار الذي يفتح باب الجشع والطمع في ظل غياب آلية التسعير،لذلك قضي وقدر على الدولة السودانية أن تباشر في مجالات الخدمات المهمة بنفسها وعبر موظفيها،ولتحسين شروط الخدمة وجب عليها تحسين ظروف موظفيها في كافة القطاعات بدلاً عن تعريض خدماتهم إلى استغلال ذوي المال والنفوذ الاقتصادي،وبما لا يعود على المجتمع بالنفع المتوقع من مثل هذه التضحيات، ولنا في قطاعي الصحة والتعليم خير أنموذج ، فقد رأينا كيف أنهما لحق بهما التدهور بعد أن تركتهما الحكومة لسوق الخصخصة والتحرير ، فلا فكرة التأمين الصحي حلت المشكلة، ولا مدارسنا وجامعاتنا الخاصة أنتجت لنا تلك القدرات التي كنا نأمل أن تنافس في سوق العمل على النحو الذي كانت عليه في السابق،حين كانت الدولة تقوم بنفسها على أمر التعليم في كافة مراحله وكافة ضروبه وفنونه ومناحيه، وفي هذا المقام أقول إن لنا في تجارب الآخرين خير عبرة ،فدوننا تجربة جمهورية ساحل العاج مع الشركة الفرنسية التي اشترت من حكومة هذا البلد الأفريقي النامي قطاع الهاتف ، الثابت منه والمنقول، وشرطت لنفسها احتكار تقديم الخدمة، وفي سبيل جني الأرباح أعادت هيكلة قطاع الهاتف على نحوٍ فاقم من مشكلة البطالة،وفي ذات الوقت رفعت سعر الخدمة بدلاً عن خفضها، فهل يا ترى يكون لهيئة كهرباء السودان في ذلك عظة،وكما يقولون "من جرب المجرب حاقت به الندامة"،وفي هذا الصدد تجدني لا أمل تكرار القول بأن شروط التنافس المطلوبة لفاعلية السوق الحر غير متوفرة في بلادنا، لظروف موضوعية تتعلق ببنية الاقتصاد السوداني ذات نفسه، الأمر الذي نتوقع معه انفتاح شهية الاحتكار والهيمنة لغرض جني الأرباح الجشعة في حالة ما إذا تولى القطاع الخاص مشاريع مهمة مثل مرفق الكهرباء،بل قد تؤدي هذه الشهوات الربحية إلى تعطب المرفق نفسه ولنا في قطاع الهاتف خير مثال، فقد تخلف هاتفنا الثابت كثيراً،وأصيب في مقتل،مع أنه فيما يتعلق بأمر التنمية أهم وأولى بالرعاية من الهاتف المنقول،وأعضد زعمي بأن القطاع الخاص لن ينهض بمشروعات التنمية كما نظن ونعتقد بحديثٍ لجيمس جوستاف رئيس برنامج الأمم المتحدة السابق الذي قال " إن العالم النامي ضحية لأسطورة غربية،هي الإيمان بأن القطاع الخاص يمثل البلسم الشافي العالمي وهذا وهم،- نقلاً عن كتاب أمريكا طليعة الاستبداد لروجيه جارودي-،فهلا تنبه القائمون على الأمر إلى ذلك قبل أن تنوح على هيئة النور النوائح وتثكلها الثواكل ،وهلا شمرنا ساعد الجد لمنع مشروعات القطاع العام الحيوية من التورط في سوءات الخصخصة وشرها المستطير،هل يكون ذلك يا ترى ،أم أن قيادتنا في نشوة الفرجة والتحلل من مسئوليات دولة الرعاية ستلهج بقول القائل : دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء،وحتماً سنرى ما في جعبة الأيام القادمات, ولكل حادثٍ حديثه ،والأمل كبير في أن تنحاز حكومة السبعين وسبعة إلى صفوف المسحوقين الغلابة،حال كونهم انتخبوها والمفترض أنها بهمومهم ملتصقة.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل ،،،
خليفة السمري – المحامي.

الإسلام السياسي السوداني بين الإبداع والإخفاق

بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام السياسي السوداني بين الإبداع والإخفاق.

بقلم خليفة السمري – المحامي
"1/7"
لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن أعلن حاكم دولة مسلمة – خلا أتاتورك – فصل الدين عن السياسة ،فقد ظل مبدأ شمولية الدين للسياسية مقرراً ومتبنى على الصعيد النظري ومنتصراً له على الصعيد الدوغمائي حتى وإن غاب عن الممارسة الفعلية ، وإذا تأملنا التاريخ الفكري الإسلامي وأمعنا النظر في كتب التراث في كافة عصور الدولة الإسلامية فإننا نخرج بنتيجة مؤداها أن الكتابات التنظيرية الفكرية والفقهية في باب الحكم والسياسة تكاد تكون في حكم النادر إذا ما قورنت بالموسوعات الضخام التي دونها فقهاء الإسلام في أبواب العبادات والمعاملات والقضاء ،فقد ظل التنظير السياسي يعاني الشح والنضوب وكان لذلك أثره السلبي على الأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها ، فالمتأمل في الإنتاج الفكري الإسلامي عموماً يلحظ إبداعاً في شتى فنون التأليف خاصة الفقه الإسلامي الذي كان له القدح المعلى والحظ الأوفر من الاهتمام ، فقد أبدع فقهاء الإسلام في أبواب فقه المعاملات والعبادات والأنكحة والقضاء أيما إبداع واهتموا بالنوازل والمستجدات فقعدوا القواعد الفقهية وفرعوا عليها المسائل حتى أنهم تجاوزا بالفروض واقع عصرهم وزمانهم وحسب المرء أن يلقي نظرة عابرة في أي كتابٍ فقهيٍ أو أصوليٍ من كتب المذاهب الإسلامية المعروفة لتنتابه دهشة يعقبها بلا شك كثيرٌ من الإعجاب والافتتان ،فأنت إذا تأملت كتاباً مثل موافقات الإمام الشاطبي - وهو كتاب في علم الأصول - فإنك لا محالة ستعجب لمنهجية المقاصد التي خطها صاحبه فيه وكيف أنه وفق للربط بينها في سماط تقعيدي يدل على عقلية فكرية فذة قلَّ أن يجود الزمان بمثلها ،وقل مثل ذلك عن مستصفى الإمام الغزالي الذي جاءت مقدماته ملخصةً للمنطق اليوناني "منطق أرسطو" بأسلوب ومنهجية قد يعجز عن إبداع مثلها من توافرت لهم أدوات البحث العلمي الحديث ،وقس على ذلك فنون الفقه واللغة والأدب والتاريخ والتراجم ..إلخ.
ومع كل هذا الإبداع في الفنون السابق ذكرها إلا أنك إن أدرت ناظريك تجاه التنظير السياسي في كتب التراث فإنك بلا شك ستصاب بخيبة أمل كتلك التي أصابت الشيخ علي عبد الرازق حين ولج هذه المغارة ينقب فيها عن آثارٍ ظن أنها توارت عن ناظريه بين كثيف الظلام والإعتام ، فمكث أعواماً عديدة ينقب ويسلط عليها الضوء يحفزه إلى ذلك قلق العلماء ويحدوه شوق العارف إلى البحث عن مزيد من المعرفة ، إلا أنه عند ظفره بحقيقة موضوع بحثه خاب أمله وطفق يردد قول المتنبي : طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ هربت منه بآمالي إلى الكذب، قال الشيخ علي عبد الرازق في مقدمة كتابه أصول الحكم " وليت القضاء بمحاكم مصر الشرعية منذ ثلاث مائة وألف هجرية "1915م" فحفزني ذلك إلى البحث عن تاريخ القضاء الشرعي، والقضاء بجميع أنواعه فرعٌ من فروع الحكومة وتاريخه يتصل بتاريخها اتصالاً كبيراً وكذلك القضاء الشرعي ركن من أركان الحكومة فلا بد لمن يدرس تاريخ ذلك القضاء أن يبدأ بدراسة ركنه الأول ،أعني الحكومة في الإسلام ،وأساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة والإمامة العظمى – على ما يقولون – فكان لا بد من بحثها ،شرعت في بحث ذلك كله منذ بضع سنين ،ولا أزال بعد عند مراحل البحث الأولى ، ولم أظفر بعد الجهد إلا بهذه الورقات ،أقدمها على استحياء ،إلى من يعنيهم ذلك الموضوع"أ.هـ كلام الشيخ علي عبد الرازق.
والحق يقال إن كتب التراث الإسلامي تعاني شحاً ظاهراً في باب التنظير السياسي ،ونضباً واضحاً لا يخفى على عيان أي باحث فقد ظل باب الحكم أو ما يسميه السلف "السياسة الشرعية" ، ضامراً ومنحصراً في مؤلفات قليلة تكاد تكون متشابهة ومتطابقة ،ولا تعدو أن تكون تقعيداً للأمر الواقع هذا إن لم يكن فيها كثيرٌ من التبرير للحاكم ،ومن أشهر المؤلفات التي كتبت في هذا الباب الأحكام السلطانية للماوردي،والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء والسياسة الشرعية لأحمد بن تيمية الحراني ،هذا إلى جانب بعض مؤلفات يحاول البعض تصنيفها في باب السياسة الشرعية مثل كتاب "الخراج" لأبي يوسف صاحب أبو حنيفة مع أن تصنيفه في فن المال والاقتصاد أجدر،و "سراج الملوك" للطرطوشي " الذي هو إلى الوعظ والإرشاد أقرب، ومما يثير العجب في هذا الباب أن مقدمة ابن خلدون على رغم إبداعها في تحليل التاريخ واستخلاص قوانين طبيعية منه إلا أنها خلت من أي تنظير سياسي سوى باب واحد يتطرق للملك ولمراحل تدهور الدولة وهذا الباب الذي كتبه ابن خلدون في هذا الصدد لا يعدو أن يكون ملاحظات على التاريخ استنبط من خلالها قوانين تاريخية يقول إنها حتمية لا بد أن تمر من خلالها أي دولة أو نظام سياسي من مرحلة ميلاده إلى مرحلة موته وفنائه.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام، هو، ما هي الأسباب التي أدت إلى ضمور الإبداع والابتكار وقلة التأليف عند السلف في باب السياسة الشرعية على أهميته ومساسه المباشر لحياة الناس ومعاشهم، ولماذا لم يظهر بينهم تنظير مثل ذلك الذي ساد عصر التنوير أو عصر الأنوار في أوربا ؟.
الرأي عندي، بما يشبه اليقين ،أن الحجر الفكري الذي مارسه الساسة والسلاطين على العلماء والفقهاء كان له أثره في تقوقع الإبداع والتنظير في الفكر السياسي الإسلامي جميعا، فالملاحظ أن الكتابات التي أنجزت في هذا الباب كانت رتيبة ومتشابهة ،ومضمونها جميعها يتفق على أمرٍ واحد وهو تقعيد الأمر الواقع لغرض تبرير مشروعية السلطان ،وللأسف حتى تهويمات المدن الفاضلة الإسلامية لم تخلو من مثل هذا الأمر ،فأنت إذا نظرت في مدينة الفارابي الفاضلة لا تجدها تخلو من تبجيل للحاكم المطلق السلطات، والذي يجب في نظر الفارابي أن يكون حكيماً ، مع أن الحكمة والدكتاتورية أمران قل أن يجتمعان ،فضلاً عن أن مشروع مدينته الفاضلة لا يعدو أن يكون نقلاً من أفلاطون مع حسن تصرف، وابن رشد على الرغم من أنه لخص كتب أرسطو وهو فيلسوف الإسلام المشائي الأول الذي اتخذه الغرب وسيلة وصل بينه وبين الفلسفة الإغريقية ، مع كل ذلك فإنه لم يبدع في مجال التنظير السياسي ما يمكن أن يرقى إلى المؤمل من طاقة جبارة مثله. "يتبع"

"2/7"
جاء التنظير السياسي في كتب التراث الإسلامي ذابلاً نحيلاً يشكو الجوع والإعياء ،والسبب في ذلك أن الذين نظروا في هذا الباب قد نظروا محفوزين من الساسة والسلاطين ليبرروا لهم سياساتهم، أو ليوجدوا لهم نوعاً من المشروعية يقنع بها العقل "المستقيل" –اذا ما استعرنا اصطلاح الدكتور محمد عابد الجابري عليه رحمة الله - وتلوكها ألسنة الدهماء ويؤمن بها عامة الناس إيماناً على حد تعبير الإمام الغزالي يضاهي إيمان العجائز.والملاحظ أن المشاريع الفكرية والتنظيرية التي تصدر بناءً على طلب السلاطين نادراً ما يحالفها التوفيق خاصة إذا ما كان الغرض منها التبرير للحاكم وخدمة الإيديولوجيا التي يعتنقها، ودوننا في ذلك كتاب النهج الإسلامي لماذا ؟ الذي ما اندفع كاتبه الحقيقي لتحبيره إلا إرضاءً وإشباعا لرغبة الرئيس نميري فاكتنفه بسبب ذلك هزالٌ لا تخطئه عين المبصر، وعن أسباب مثل هذا الضعف الفكري يحكي لنا الكواكبي في ص " 32 " من كتابه "طبائع الاستبداد"- طبعة دار النفائس أنه ( لاحق كلب الصياد يوماً أرنباً فعجز عنه ،ولم يستطع إدراكه ، فسأل الكلب الأرنب ، كيف تسبقني ،وأنأ أقوى منك ؟، فأجابه الأرنب : إني أعدو لحساب نفسي وتعدو لحساب صاحبك)، فالعدو لحساب الغير هذا هو الذي أضعف التنظير السياسي التراثي الإسلامي في باب الحكم والسياسة،وحال بينه وبين الإبداع في بابٍ من أهم الأبواب ، فأصبح بذلك عاجزاً لا يحر لنفسه فكاكاً من فلك الأمراء والسلاطين،وللأسف ظل الأمر على هذا النحو حتى يوم الناس هذا في كثيرٍ من البلدان العربية والإسلامية إلا من رحم ربي،ذلك أن أي مفكر أو فقيه إسلامي يحاول تأصيل نظرية سياسية أو اجتماعية يسترشد فيها بقيم الحرية والعدالة والحقوق المتساوية بما يعارض هوى الحاكم فإنه بلا شك يعرض نفسه لمضايقاتٍ قد تصل أحياناً إلى التآمر والقتل طالما أن إبداع ذلك الفقيه أو المفكر يمس مشروعية الحاكم أو ينبه العقول ويوقظها من نومها وثبات استقالتها، إلى أن استقرت في أذهان الناس مقولة أن الخروج على الحاكم ولو كان فاسقاً يعد كبيرة من الكبائر بمبرر أن الخروج عليه فيه إذكاء للفتنة وتأجيج لنارها, هذا إذا علمنا أنه بعد الخلفاء الراشدين الأبكار لم يتسنم في التاريخ الإسلامي كله أي أمير أو سلطان السلطة عبر وسيلة الشورى وإنما كان السبيل إليها دوماً الغلبة والتغلب بالقوة والعصبة والسيف ، ونظرة واحدة في تاريخ الدولة الأموية أو العباسية أو حتى دويلات الأندلس..إلخ تكفي لإثبات هذا الزعم والتأكيد على صحته.
مع كل هذا الحجر الفكري على الفقهاء والعلماء، فإن أهل السياسة لم يتورعوا من استغلال ضعاف النفوس من الفقهاء والعلماء والمفكرين في تبرير كثير من مشاريعهم السياسية ، ولو أننا ذهبنا نتحسس ذلك في كتب التراث لوجدنا منه الكثير، فللأسف كان أهل الملك والسلطان في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي بمثابة الدينمو المحرك لكثيرٍ من الآراء الفقهية والكلامية حتى وإن بدت في ظاهر أمرها لا علاقة لها بالسياسة والسلطان ،فالجبرية على سبيل المثال يصنفها أهل العلم الشرعي في باب علم الكلام "مباحث اللاهوت وأصول الدين " مع أنها في حقيقة أمرها – على رأي كثيرين - لم تكن سوى التفاف سياسي على الدين مرر من خلالها الأمويون خطابهم السياسي وضيقوا باسمها الخناق على معارضيهم وأفحموهم بمنطق القضاء والقدر،ذلك أن عقيدة الجبر بنيت على مبدأ أن الله قضى وقدر كل شيء في أزله وسابق علمه وكتابه،وأنه من بين قضاء الله هذا أنه جعل أمر الخلافة في بني أمية فمن ناكفهم في أمرهم هذا فإنه جاحد ومارق لحال كونه معترض على مشيئة الله التي قضت بأن يكون أمر الخلافة منحصرٌ في أولئك الأئمة المصطفيين،وبذلك يكون الحاكم قد استمد مشروعيته مباشرةً من الله تماماً مثل حكام أوربا في القرون الوسطى الذين أنتج لهم التبريريون مشروعية أسندوها إلى ما عرف في التاريخ الأوربي بنظرية الحق الإلهي.
جدلية الصراع مع هذا التيار السياسي الإسلامي الجبري أنتجت التيار القدري الاعتزالي كرد فعل طبيعي تبنته معارضة بني أمية ممثلة في بني العباس ومن نحو نحوهم ،فكان الاعتزال بذلك هو الآخر شارة دينية تذرت بها قوى سياسية أخرى طامحة إلى الحكم مطيتها وأداتها إلى الخلافة القول بأن أفعال العباد حادثة وهي من خلقهم هم ولا دخل للمشيئة الإلهية بها،ومن هنا جاء القول بالتخيير لضرب ثيوقراطية الدولة الأموية،وما أن استتب الأمر لبني العباس حتى عادوا على عقيدة التخيير ينبذونها حتى أن أبا جعفر المنصور جعل من نفسه ظلاً لله أميناً على خزائنه في الأرض يفتحها لمن يشاء بمشيئة الله ويغلقها على من يشاء بمشيئة الله أيضاً،وعلى هذا النحو ظلت العقيدتان الجبرية والقدرية التخييرية تتعاوران الأمر في دولة بني العباس حسب المصلحة السياسية للحاكم،فقد رأينا كيف أن المأمون رفع من عقيدة الاعتزال ونكل بخصومها وعلى رأسهم أحمد بن حنبل أشد التنكيل وسرعان ما انقلب عليها المتوكل على نحوٍ أدى إلى استقالة العقل الإسلامي إلى يوم الناس هذا. "بتصرف من كتاب العقل السياسي العربي لمحمد عابد الجابري".
أيضاً إذا دلفنا تلقاء الخطاب الشيعي الذي يقول بعصمة الأئمة نجده هو الآخر أوجد من هذه العصمة شارةً دينية أعلن من خلالها مشروعيته وأحقيته بالخلافة، فلا عصمة في نظر هذا الاتجاه السياسي إلا للأئمة المصطفيين من آل البيت ،وعليه فإن خروج الأمر منهم إلى سواهم يدخل في نظر هذا الاتجاه في باب الكبائر ، وقس على ذلك عقائد الخوارج والحشاشين والجهمية والأزارقة ..إلخ قائمة الصراع السياسي المتلفع بلباس الدين.
ولا أدل على تلفع السياسة وأهل السياسة في عالمنا الإسلامي بجلباب الدين من التفسيرات والتأويلات العديدة التي جرت لحديث " الأئمة من قريش" الذي صححه البخاري، فالقرشي من أهل السياسة احتج لمشروعيته في تولي الحكم بحرفية نص هذا الحديث ،ورأى عدم جواز خروج أمر الخلافة من قريش القبيلة المعروفة إلى من عداهم،واحتج بهذه الحرفية النصوصية على غير القرشيين من المسلمين بل رأى في هذا الحديث قيداً على إطلاق حديث "اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبدٌ حبشي"، إذ رأى بعضهم أن هذا الحديث الأخير للحث على وجوب طاعة ولي الأمر والانقياد له لا أكثر من ذلك.
أما غير القرشيين من أهل السياسة فقد أخذوا يتأولون حديث "الأئمة من قريش" بتخريجات لغوية وظفوا فيها التأويل الديني لخدمة أغراضهم وأهدافهم السياسية الزمنية واستغلوا في تأويلهم هذا العلماء حتى ولو كانوا عرباً قحا يتحدورن من قريش نفسها، ولا أدل على ذلك من التخريج الخلدوني الذي ذكره عبد الحميد متولي في كتابه في القانون الدستوري الإسلامي بشأن هذا الحديث، فقد تأول ابن خلدون "حديث الأئمة من قريش" تأولاً لغوياً رأي فيه الكثيرون شيئاً من الشطط حين قال إن التقرش لغةً يعني التأسي بالعصبة والقبيلة ،ومن ثم فإن أمر الخلافة يكون لمن كانت له عصبية غالبة ولو لم يكن قرشياً من حيث الدم والنسب،وبهذا التأويل بنى غير القرشيين لأنفسهم شرعية تمكن الكثيرون منهم من خلالها من الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيه زمناً طويلاً والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة ومشهورة ،وأشهر من برر شرعيته على هذا النحو آل عثمان من الأتراك.بل يرى كثيرون من هذا المنطلق أن موقف الأزهر من كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق كان مدفوعاً بتطلعات الملك فؤاد للخلافة،وأن الضجة حول الكتاب كانت سياسية أكثر منها دينية كما حاول خصوم الشيخ عبد الرازق تصويرها، فالرأي الراجح لسبب تلك الضجة أنه بعد انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية في العام 1921م وحلول الأتاتوركية محل السلطان عبد الحميد الثاني آخر خلفاء بني عثمان، تطلع كثيرون لشغل هذا المنصب الذي يجمع بين أمري الدين والدنيا وكان من بين هؤلاء المتطلعين الملك فؤاد ملك مصر،الذي حرص على الظفر بهذا المنصب حتى إنه ليقال أنه لهذا الغرض اصطنع لنفسه نسباً من جهة أمه مع أشراف آل البيت ، فلما جاء الشيخ عبد الرازق ببحثه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" الذي حاول فيه نسف أمر الخلافة من أساسه و التأكيد في نتائج بحثه على أن منصب الخلافة ليس منصباً دينياً كما هو أمر بابا الفاتيكان بل هو في نظره منصب زمني يتبدل أمره وتتغاير شروطه وضوابطه بتغير الأزمان وفق مصلحة المسلمين ، وهذا ما أثار عليه حفيظة الملك فؤاد الذي لم يترفع عن الإيعاز لبعض علماء عصره من التصدي لكتاب الإسلام وأصول الحكم ،فصدرت فتاوى كثيرة من بعض علماء الأزهر الشريف في هذا الشأن بعضها بحق وبنهج معرفي وأغلبها بدافع الهوى والخصومة ،وانتهت هذه الضجة الكبرى بمصادرة الكتاب والتوجيه بحرقه ومنع نسخه من التداول بين الناس ، وهذا مثال واضح على الحجر الفكري الذي فرضه أهل السياسة على الفقهاء وعطلوا به نمو الفكر السياسي الإسلامي وتطوره ،وهو أمرٌ كان له أثرٌ سيئ على التجارب المعاصرة التي حاولت إقامة نظم سياسية إسلامية ،بل كان سبباً مباشراً في فشل معظم تلك المحاولات الإسلامية السياسية لبناء دولة إسلامية معاصرة. ”يتبع".
"3/7"
ذهبت فيما سبق إلى القول بأن الهيمنة وشمولية الحكم هي التي منعت الفكر السياسي الإسلامي من أن ينهض ويتطور على نحوٍ طبيعي ،وأردت أن أخلص من ذلك إلى نتيجة مؤداها أن الاستبداد السياسي هو الذي أوجد هذه التقية التي يتعامل بها كثيرٌ من الفقهاء والعلماء وأهل العلم الشرعي مع الملوك والأمراء وأرباب النفوذ والسلطان ، لكن هناك سؤالٌ يفرض نفسه في هذا الموضع ، ومؤدى السؤال، يا ترى ما الذي مكن العالم الأوروبي من إبداع نظريات سياسية ظلت تتطور جيلاً بعد جيل،مع أن هذا العالم الأوربي هو الآخر حكمته أنظمة ملكية مستبدة إلى جانب هيمنة كنسية دينية كانت تعد على الناس أنفاسهم بممارستها لطقوس الاعتراف والغفران التي ذلت لها نفوس المسيحيين في العالم الأوربي وخضعت، خاصةً في القرون الوسطى، والسؤال الذي يفرض نفسه أيضاً في هذا المقام ، لماذا استطاع المفكرون الاجتماعيون في الغرب تجذير نظرياتهم وأفكارهم التنويرية في الواقع الاجتماعي الأوروبي لتصبح أساساً للبناء السياسي للدولة في الوقت الذي فشل فيه علماء العرب والمسلمين؟.
إجابةً على هذا السؤال أرى – وهو رأي قابل للتصحيح والتصويب – أن الفارق بين أمرنا وأمرهم كان كبيرٌ جداً ، فمجتمع القرون الوسطى في الغرب الأوروبي كانت الهيمنة فيه تقوم على تحالف بين الكنيسة وأهل السياسة مع وجود توازن في القوى منع تغول كلا الطرفين على ما هو حق للطرف الآخر،عملاً بنظرية ما لله لله ،وما لقيصر لقيصر، وبين أهل السياسة وأهل الدين هؤلاء انفتح هامش حرية لأهل الفكر ليدلوا بدلوهم ، ويطوروا أفكارهم ، وهذا لا ينفي أن كثيرين من المفكرين الاجتماعيين في عصر الأنوار قد لاقوا عنتاً ومشقة ودفعوا أثماناً غالية لقاء الجهر بأفكارهم الإصلاحية ،فقد وصل الأمر إلى تعرض بعضهم للمحنة والقتل والتحريق بتهم الهرطقة والخروج على الدين ، إلا أن كل هذه المعاناة لم تكن سوى تجذير للجديد في ذات التربة القديمة – تربة توازنات القوى – استوى هذا التجذير على سوقه يوم استوى فأدى إلى ثورات عارمة أعادت ترتيب الأمور وفق أسس وأطر جديدة ظلت تتطور هي الأخرى إلى أن وصلت إلى ما نراه اليوم في عالم السياسة الأوروبي والغربي عموما،كل خطوة تؤدي إلى ما بعدها إلى أن وصل الحال بهم إلى المنهجية البرغماتية التي تعتمدها معظم دول العالم الغربي اليوم.
هذا التوازن بين السياسي والديني افتقدته التجربة السياسية الإسلامية- إلا نادراً- وكان لذلك أثرٌ ضار على فكرة الدولة الإسلامية وإنزالها إلى أرض الواقع على نحوٍ ناجحٍ وموفق، فالملاحظ في التجربة السياسية الإسلامية أن الغلبة كانت للساسة الأمراء على أهل العلم والفقه والفكر والدين ، لا ،بل إن الدين دار عندنا في فلك السياسة إلا نادراً والتفت هي في ثيابه تحت فكرة شمولية الدين لأمري الدنيا والآخرة ،التفافاً ماكراً تم فيه توظيف طائفة علماء الدين لخدمة أهل السياسة الزمنية على نحوٍ لم يأبه له الأولون ، وهذا ما حدا بمحلل اجتماعي وتاريخي مثل ابن خلدون أن يفرد باباً كاملاً في مقدمته لمناقشة هذه الظاهرة ،تحت عنوان "فصلٌ في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين في الجملة" ، وهو يعني بقوله هذا ، أن الحاكم لا يستتب له أمر الحكم إلا إذا توسل إليه بما هو مثالٌ متعالٍ "الدين" ، وهذا التوسل يجعل أمر الدين طوع بنان الحاكم يفسره ويؤوله لمصلحته عبر ضعاف النفوس من الفقهاء والمفكرين الذين يميلهم إلى جانبه بمغريات الدنيا وجزيل الهبات والعطايا ليعطوا سياسته الزمنية شرعيتها عبر الدين ،وهذا في المقابل يجعل معارضة مثل هذا الحاكم أمراً عصياً ،ما لم يجنح المعارض هو الآخر إلى تفصيل شارة دينية لنفسه يتأول فيها ذات دين الحاكم على نحوٍ يخدم معارضته بعيداً عن المفهوم الزمني البرغماتي للمعارضة،ولا شك أنه في مثل هذا الصراع المتدثر بالدين تكبت أي محاولة لتفكير عقلاني حر، هذا إذا ما علمنا ضرورةً أن الإبداع الإنساني لا يمكن أن يزدهر أو يثمر إلا في ظل الحرية الفكرية التي تكفل للعقل الموضوعي الناقد الانطلاق نحو البحث والتأمل والتجريب والاختبار ،وبهذا وحده تتوفر له أسباب التعلم من الخطأ ،وبهذا وحده يمكن له إنتاج وسائل وأدوات يحل بها إشكاليات السياسة والاقتصاد والاجتماع..إلخ المشكلات التي تواجهه.
لقد كان نضوب المعين الفكري السياسي الإسلامي وغياب الإبداع في هذا الباب ، هو السبب المباشر - في نظري-الذي أدى إلى فشل مشروعات الإسلام السياسي ومنعها من ملامسة أرض الواقع لإنتاج دول ناجحة وتأسيس نظم إسلامية طموحة تخرج بالمصحف من المسجد إلى حيز الممارسة والتطبيق في حياة الناس وأمر معاشهم، فالرأي عندي أن حسن النوايا وحده لا يخدم القضايا،فمثلاً لا يمكن لفكرة متناقضة أن تنتج مشروعاً ناجحاً ولو صدقت نية صاحبها ،وأعني بالتناقض هنا،التناقض السافر الواضح للعيان ، لا التناقض الجدلي الذي لا تخلو منه أي فكرة على رأي المنهجية الهيجلية التي استعارها ماركس لتحليل التاريخ، وأقصد من كل ذلك أن أنتهي إلى نتيجة مؤداها أن المشروع العملي الناجح لا بد أن تسبقه فكرة جيدة معافاة من الشيزوفرينيا والانقسام الفكري ، أياً كان هذا المشروع ،اجتماعي ،ثقافي ، سياسي..إلخ. "يتبع".
"4/7"
بناءً على التوطئة التي أوردتها في الحلقات السابقات فإنني أحاول قدر المستطاع الاقتراب من التجارب السياسية السودانية المعاصرة التي اتخذت من الإسلام مشروعاً سياسياً لها، وهدفي من هذا الاقتراب الوقوف على مدى واقعية هذه التجارب ومدى إبداعها في تعاطيها مع مبادئ الإسلام ، بل ومدى صدقها فيما بشرت به ، وهل هي تسامت بالظرف والواقع لتصعد به إلى تعالي الدين ثم النزول بهذه الأفكار لإقامة الدولة الإسلامية على تراب السودان ، أم أنها فقط تدثرت بالدين لتحقيق مآرب وأهداف سياسية زمنية اتخذت الإسلام وسيلة لتحقيقها ،إيماناً منها بمقولة ابن خلدون "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثرٍ عظيم من الدين في الجملة".
سعياً وراء هذه الغاية فإنني أدلف تلقاء التاريخ السوداني الحديث استنطقه وأحاول اختزال بعض وقائعه لأحللها – على قدر وسعي وجهدي في التحليل – وأبدأ الولوج في هذه المغارة الغير مأمونة العواقب بنموذج الدولة المهدية التي قادها الإمام محمد أحمد المهدي عليه رحمة الله، وقد حثني لانتقاء نموذج الحركة المهدية أمورٌ عديدة منها:-
1- أن القيادة المهدية تبنت الطرح الإسلامي منذ انطلاقة شرارتها الأولى ،مستفيدةً في معارضتها لنظام الخديوي من فكرة المهدي المنتظر الثابتة في العقيدة الإسلامية، إذ يلفت النظر أن الثورة المهدية لم تتوسل في معارضتها للنظام الحاكم وقتئذٍ لا بالقومية ولا بالقبيلة والعشيرة على النحو الذي جرى في تحالف الفونج والعبدلاب عند تأسيس المملكة السنارية ،أو على النحو الذي جرى في تأسيس مملكتي الفور والمسبعات أو ممالك شمال السودان ذات الطابع الإسلامي، والتي تم تأسيسها جميعها تقريباً على نظام القبيلة الضارب بجذوره في البيئة الاجتماعية السودانية.
2- من الأسباب التي حثتني لاختيار هذا النموذج أيضاً النجاح الباهر الذي حققته الحركة المهدية والذي لا يتناسب أبداً مع إمكانياتها الزمنية إذا ما قيست بإمكانيات خصومها السياسيين الذين استتب لهم أمر الحكم في السودان منذ العام 1821م.
3- من الأسباب اللافتة للنظر أيضاً في نموذج الحركة المهدية،أنها استطاعت تأسيس دولة وفق تأويلها الخاص للإسلام ،ذلك أنها طبقت الشريعة وفق رؤى وتفسيرات قيادتها التي لم تلزم نفسها بأي مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة،ولم تركن إلى اجتهاد إي فقيه من فقهاء الإسلام السابقين عليها ، وتبنت بدلاً من ذلك مبدأ " أن ما فيه نصٌ فعلى العين والرأس وما ليس فيه نص فهم رجال ونحن رجال"،وبذلك فتحت الباب لنفسها واسعاً فيما يتعلق بقراءة النصوص بما يتواءم مع الزمان والمكان ،وهذا في نظري هو سر النجاحات التي حققتها الحركة على أيام الإمام المهدي.
لهذه الأسباب مجتمعة رأيت أن الحركة المهدية تعتبر من أفضل النماذج المعاصرة التي يمكن الولوج من خلالها إلى الإسلام السياسي عامةً وإلى الإسلام السياسي السوداني بوجهٍ خاص ، وهي أي - الحركة المهدية – لم تكن في حقيقة أمرها سوى ردة فعل طبيعية للظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستبداد الذي تعرض له أهل السودان الشمالي والوسيط من نظام الخديوي المهيمن على حكم السودان وقتئذٍ ،وبما أن النظام الخديوي اعتبر نفسه امتداداً ولو اسمياً لدولة الخلافة التركية الإسلامية فإنه كان من الصعوبة بمكان التصدي له بمعارضة سياسية زمنية برغماتية حال كون أن مثل هذه المعارضة تضع المعارض أمام سيل من فتاوى البغي والمروق على أصل الخلافة الثابت في الدين ، هذا إن لم يبلغ الأمر حد التكفير ، فكما قلنا سابقاً إنه لا يجوز في نظر علماء السلطان الخروج على الحاكم المسلم حتى ولو كان فاسقاً وظالماً لكون ذلك في نظرهم يؤجج الفتنة ويشق صف جماعة المسلمين وأكثر من ذلك يرون فيه خروجاً صريحاً على قوله تعالى " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ، ويرون فيه أيضاً مخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم "اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبدُ حبشي" الحديث.
هذا الجدار السميك الذي أقامته السلطة الحاكمة وقتئذٍ حول نفسها ،والذي صنعت لبنه من الدين لتبرير ظلمها واستبدادها ما كان يمكن للإمام المهدي أن يوجد ثغرة فيه إلا بمنازلة السلطة بذات سلاحها ،وهذا في ظني هو سبب نجاحه في حشد الجماهير السودانية حول برنامجه السياسي، وهو بهذا استفاد من معطى الدين سياسياً ، ونجح في مهمته في المعارضة يوم أن أعلن على الملأ من أول يوم أنه مهدي الله الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً باسم دين الله وباسم الخلافة المستقوية على المستضعفين من أهل السودان بالإنجليز.
هذه الفكرة الضاربة بجذورها في عقيدة الأمة "فكرة المهدي المنتظر" حفزت الناس للالتفاف حول الإمام المهدي، إذ رأوا فيه منقذاً لهم من الظلم الذي حاق بهم ،ومخلصاً لهم من الضرائب التي أثقلت كاهلهم ،وقد استطاع الإمام المهدي بهذه الفكرة الدينية أن يوجد للناس مبرراً دينياً في الخروج على حاكمهم المهيمن عليهم باسم الدين والخلافة، فكان شعار المعارضة في مواجهة هذه الهيمنة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا ترتب عليه أن رجعت فتاوى علماء السلطة في مواجهة المعارضة خائبةً مهزومة ، في معركة عرف الإمام المهدي كيف يوظف فيها الدين لمصلحة مشروعه السوداني الإسلامي المتطلع إلى الاستقلال،وقد بدا الرجل صادقاً في مشروعه حين تبنى الإسلام في منهجيته لبناء الدولة بصورة شمولية تأففت عن التورط في الانتقائية والتجزيء ،فأعلن الجهاد المقدس من أول يوم ، حين رأى في خصمه التورط في خلة الاستعانة بالكفار " الإنجليز" ، ومخالفته الصريحة لقول النبي "ص" للذي تبعه يوم أحد وهو على شركه "أرجع فإني لا استعين بمشرك" ،وبهذه المعاني الدينية استطاع الإمام المهدي أن يوحد أهل السودان الشمالي والوسيط وأهل كردفان والشرق في مواجهة حكم الخديوية ،فكتب له الانتصار عن طريق فكرة المهدية المتطلعة إلى إقامة دولة إسلامية تتحرر من كافة آراء الفقهاء خاصةً فقهاء السلطان الذين ناهضوا دعوى الإمام بفتاوى لم توفق في هزيمة مشروعه الوطني، وحين كتب الانتصار للحركة وطردت المحتل الإنجليزي المصري أرسى المهدي دعائم دولته على فهمٍ خاص به لنصوص الإسلام تحرر فيه من كافة قيود المذاهب الإسلامية ، مطلقاً مقولته الشهيرة " ما ورد فيه نصٌ فهو على العين والرأس وما لم يرد فيه نصٌ فنحن رجال وهم رجال" ، وهذا الفهم التحرري لا شك أنه أعطى الإمام المهدي إمكانيات مرنة لمواجهة واقع الزمان والمكان الذي وجدت فيه دولته ، مع استصحاب ما تواتر من عمل الدولة الإسلامية على أيام النبي "ص" والخلفاء الراشدين ، فهذا الاستصحاب جعل الإمام يختار عبد الله ودتورشين خليفةً له رافضاً بذلك ما تواتر عليه المسلمون بعد الراشدين من توريث الملك والخلافة ،وهذا فيه دلالة على أن الإمام كان يعتقد في فكرة المهدية وإقامة الدولة الإسلامية اعتقاداً صادقاً كمخلص للمسلمين من مشاكلهم الدنيوية والأخروية.
وبعد وفاة المهدي حاول الخليفة عبد الله إدارة الحرب والدولة على هذا النمط المترسم لخطى دولة النبي "ص" ، فبدأ بقتال الديار المجاورة تمشياً مع الآية "قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" فسير الجيوش إلى الحبشة ومصر الإنجليزية بقيادة النجومي وأقام القضاء الشرعي وفق تفسيرات المهدية للنصوص الشرعية إلى أن وصل بالدولة الحزم في أمر القضاء إلى تعزير متعاطي "التمباك" والتباكو، لكن بعد فترة وجيزة من عمر الدولة بدأ صراع الجاه والمال والسلطان يطل برأسه بين جناحي الخليفة والأشراف، فتولدت صراعات جهوية لم يستطع الطرح الديني أن يقطع شأفتها، فعلى الرغم من أن الدولة المهدية عاشت وحدة فكرية خلت من الانقسام النفسي والشيزوفرينيا السياسية ،إلا أنها للأسف لم تستطع تجاوز أزمات الصراع الجهوي الذي حركه تعارض المصالح والبحث عن المجد على طريقة ابن خلدون التي وضح فيها أن المعارضة ما أن تصل إلى الحكم حتى يتطلع بعض أفرادها إلى المجد ، ويتصارعوا إلى أن يستتب الأمر لبعضهم فيمجدوا ثم تتولد معارضة جديدة تأخذ هي الأخرى حظها من هذا الدور ،وهذا هو تحديداً ما حدث في الدولة المهدية بعد موت الإمام المهدي، فكثيرٌ من الأشراف والسودانيين الآخرين الذين عارضوا حكم الخليفة عبد الله لم تعد مسألة إرجاعهم إلى كنف الدولة بسلطان الدين فكرة عملية أو جاذبة بعد أن ولج التدافع الزمني البرغماتي إلى حلبة الصراع ،وأظن أن من بين أسباب هزيمة الخليفة عبد الله في كرري أن فكرة العقيدة المهدوية ماتت جذوتها بعض الشيء في نفوس الكثيرين من أهل السودان خاصة السودان الوسيط "الجزيرة" والشمالية، فبعضٌ من السودانيين رأى في الخليفة رجلاً منحرفا عن العقيدة المهدوية إلى الجهوية والقبيلة ،وبعضٌ آخر روج إلى أنها –أي المهدوية- لم تكن سوى فكرة تضليلية استثمرها الإمام لإنجاح مشروعه وضرب خصومه ،خاصةً بعد أن سعى آخرون إلى الترويج لأنفسهم والإدعاء بأنهم هم الآخرون مهديين منتظرين،ومن باب التشكيك هذا ولجت شياطين التخذيل تفت في عضد دولة الخليفة الذي فشل في توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المحتل،وبانهيار الجبهة الداخلية أستطاع الغزو الخارجي السيطرة على أوضاع البلاد بيسر لا عناء فيه خاصةً في ظل اختلال ميزان التسليح بين دولة الخليفة والغزاة، وهكذا انتهت الدولة المهدية التي طرحت مشروعاً فكرياً تقدمياً في منهجه لبناء دولة إسلامية في السودان،وفي نظري أن من أخص أسباب فشل هذا المشروع أن منهجية الإمام المهدي في قراءة النصوص لم تجد من يطورها بعده لمواجهة تحديات الواقع،أو قل لم تجد من يعملها في النصوص للخروج منها بحلول للمعضلات والمشكلات،وفي قناعتي أن أي فكرة أو منهجية تقف عن التطوير فإن مآلها الجمود والتحنط وعدم الفاعلية، فأي متأمل في الحركة المهدية يستطيع أن يلحظ بسهولة ويسر مدى الفاعلية التي كانت تتمتع بها فكرة المهدوية أيام شباب الحركة، ويلحظ كيف أن حرارتها جعلت الدين فاعلاً في النفوس ومفجراً للطاقات على نحو أدى إلى هزيمة دول منظمة وإخراجها طريدةً ذليلة من البلاد ، فلما ماتت الجذوة والفاعلية وانطفأ البريق رحلت كل فراشات الطلاقة الجهادية تبحث لنفسها عن ضوء آخر وبريق آخر يجدد فيها فاعلية الدين. وظل الحال على هذا النحو يرنو فيه الجميع على أيام الاستعمار الإنجليزي المصري إلى مخلصٍ جديد فولدت حركات إسلامية جاء جلها ميتاً عند الولادة ،فلم تظهر في البلاد حركة فكرية إسلامية وطنية فاعلة بعد الحركة المهدية ، وبسبب ذلك التفت الآملون في قيام دولة الإسلام إلى مصر العربية يستوحون منها أفكار الأخوان المسلمين لبناء نظام سياسي توجهه عقيدة الإسلام ،لكن إلى أي مدى كانت حركة الأخوان واقعية في طرحها ،وإلى مدى ارتقى إبداعها في إنتاج الحلول لمشكلات بلدٍ فسيفسائي مثل السودان؟
في رأيي أنه للوقوف على ذلك لا بد من إطلالة ولو عابرة على فترة المقاومة الوطنية للحكم الإنجليزي المصري وتحليل وقائع تاريخية مختزلة منها علها تساعد في توضيح الصورة فيما يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة في تلك الفترة،وعلها تساعد في تقويم المنهجية الإسلامية التي ركب قطارها من يؤمنون بالدولة الإسلامية كمخرج وحل لأزمات المسلمين المعاصرة. "يتبع".

"5/7"
من خلا ل ملاحظتي المتواضعة على تاريخ الحركة الوطنية لمقاومة الحكم الإنجليزي المصري خلصت إلى نتيجة مؤداها أن حركة المقاومة الوطنية انتهجت في مقاومتها للحكم الثنائي خطاً قومياً وطنياً لم تجنح فيه إلى مسألة الدين كثيراً، والسبب في ذلك في نظري أن العدو هذه المرة كفره سافر وصريح ،فهو لم يتذرع بالدين لإعطاء الشرعية لحكمه ولم يجنح إلى استصدار الفتاوى لتثبيت أركانه إلا نادراً وقليلاً بل في وقائع تندرج في باب الشذوذ، فإذا ما استثنينا عبد القادر ود إمام "ود حبوبة" في الجزيرة كامتداد للحركة المهدية نلحظ أن التدثر بالدين ورفعه شعاراً للمقاومة يكاد يكون في حكم النادر أيضاً ،ذلك أن الإنجليز رفعوا من أول يوم شعار الوصايا وأوحوا إلى الجماهير السودانية بأنهم لم يأتوا مستعمرين ،بل جاءوا معاونين للمصريين في تطوير السودان وتحديثه و النهوض به والخروج به إلى مصاف الدول الرشيدة ، - أي أنهم جنحوا إلى أساليب السياسة الزمنية البرغماتية – وهذا في رأيي ما حدا بالمقاومة الوطنية إلى التصدي للاستعمار الثنائي بذات السلاح ،فكانت حركة 1924م حركة قومية وطنية لم تبن مقاومتها على أساس الدين ،وإنما قادت المقاومة باسم أهل السودان جميعاً، بل وسعت الماعون ، لتكون مقاومتها باسم أهل وادي النيل كلهم ، مسلمين ومسيحيين ، وتبنت في سبيل إنجاح مشروعها وحدة وادي النيل ، وهو بلا شك شعار قومي فيه ثمة تعارض مع منهجية الإسلام السلفية وأممية دولته التي تعني المسلمين وحدهم في كافة أقطاب الأرض ولا يعنيها من أمر غيرهم إلا عهد الذمة والأمان.
أيضاً إذا أدرنا النظر تلقاء حركة نادي الخريجين ،فإننا نلحظ عليها أنها تشكلت على أساس قومي وطني بعيداً عن اعتراك العقائد الدينية وأطروحاتها الدوغمائية ، فقد ظلت حركة النادي تستمسك بهذا النهج القومي في المقاومة تدحض عن طريقه ألاعيب السياسة الإنجليزية وخططها فيما يخص أمر السودان ، خاصةً سياستها في قفل الجنوب ومحاولات تنصيره ، فقد قاومت حركة نادي الخريجين هذه السياسة لا بسبب التبشير الذي صحبها ،وإنما لأنها رأت فيها محاولة خبيثة لتعميق عوامل الانقسام بين الجنوب والشمال ، ولأنها رأت أيضاً في التبشير الذي صحب تلك السياسة وسيلةً من وسائل الدول الغربية لبسط نفوذها في القارة السوداء ، وهي لم تشذ في ذلك عن بعض نصارى أفريقيا الذين عارضوا هذه السياسة وعلى رأسهم كنيسة الحبشة التي رأت في حركة التبشير المسيحي التي قادها الغربيون في بلادها ضرباً من التمهيد للأساطيل والجيوش ومقدمة من مقدمات الاستعمار المبطن بما هو إنساني ديني.
ظل هذا النهج الوطني القومي هو المتبع في مقاومة الاحتلال،بل لم يتنكر له منتهجوه حتى حين وقع الانقسام الشهير بين الخريجين الذي أنتج نواة الأحزاب السودانية الأولى، فكانت حركة الأمة التي تبنت شعار السودان للسودانيين كطرح زمني برغماتي يعارض طرح الحركة الاتحادية التي تبنت هي الأخرى شعاراً قومياً ليس في وسعه أن يزايد على الدين ، وهو شعار وحدة وادي النيل،وهذا الانقسام الذي أدى إلى تشكيل باكورة الأحزاب السياسية السودانية كان في ظاهر أمره يبدو نتاجاً طبيعياً لاختلاف وجهات النظر بشأن مقاومة السياسة الإنجليزية في السودان وكيفية التصدي لها ، أي أنه تقمص شكل الاختلاف على نوعية الوسائل التي يجب التصدي من خلالها للمستعمر ، لكنه في حقيقة أمره كان صراعاً بين طائفة الأنصار التي اتكأت على الموروث المهدوي وبين التنويريين الجدد من الوطنيين الاتحاديين الذين أرادوا أن ينحو بالسياسة منحىً زمنياً وإن كان غير معلن، إلا أنهم فيما بعد ارتدوا عن هذا النمط السياسي الزمني بعد ارتمائهم في كنف طائفة الختمية.
اختلف قطبا المعارضة الاتحاديين ودعاة السودانوية ، وتباينت مواقفهم بشأن الكثير من القضايا من مثل المجلس الاستشاري لشمال السودان ومؤتمر جوبا 1947م والجمعية التشريعية والحكم الذاتي وغير ذلك من المسائل السياسية التي سادت الساحة السياسة السودانية في ذلك الوقت، لكن لم يجنح أي طرف من أطراف المقاومة إلى توظيف الدين كأداة أو وسيلة يمارس السياسة من خلالها أو يكيد بها للخصوم ، حتى أنه من الملاحظ أن حركة الجبهة المعادية للاستعمار ظلت تطرح وسائلها في المقاومة من غير أن تتعرض لأي مضايقات دينية مع أنها تبنت الطرح الماركسي اللينيني من أول يوم في مقاومتها للاستعمار ، فلم يزايد عليها أحد باسم الدين ،فظلت تسهم في المقاومة الوطنية بجهدٍ مقدر من غير أن ينسب إليها أحد سبة الخروج على الدين وظل حالها على هذا النحو إلى أن تمخضت وولدت الحزب الشيوعي السوداني الذي ظل يرفض تديين السياسة من يوم مولده وإلى يوم الناس هذا، وتعرض بسبب ذلك إلى مضايقات كثيرة أثرت في حجمه وقللت من تأثيره الاجتماعي وأبعدت عنه الجماهير شيئاً كثيرا.
ظلت حركة المقاومة الوطنية في كافة فصائلها في شد وجذب، تتفق حيناً وتختلف أحياناً في وسائل التصدي للاستعمار وفي كثيرٍ من المسائل الإستراتيجية ،لكن أبداً لم تركن قيادتها إلى الابتزاز الديني لتسوية الخصومات السياسية ،فالكل رفض التخوين الديني لغرض الكسب السياسي ولم يشذ عن هذه القاعدة أحد حتى الآباء المؤسسون لحركة الأخوان المسلمين من أمثال إبراهيم المفتي وعلى طالب الله وبدوي مصطفى وبابكر كرار ، فعلى الرغم من أن الايدولوجيا التي تبناها هؤلاء المؤسسون مرجعيتها دينية سلفية إلا أنهم لم يجنحوا إلى المغالاة أو المزايدة على خصومهم السياسيين في دينهم، وظل نقد فصائل المقاومة بعضها لبعض ينطلق من منطلق زمني برغماتي هدف الجميع من خلاله إلى تحقيق الاستقلال. "يتبع"

"6/7"
بعد رحلة طويلة من الكفاح السياسي تحقق الاستقلال ، ولم يجد قادته غضاضة في تبني دستور الحكم الذاتي ذو الصبغة العلمانية بعد تعديله ليكون أول دستور لدولة السودان المستقلة "دستور 1956" وظلت السياسة في ظله تمارس بين أهل السودان وفق الرؤى الزمنية البرغماتية حيناً من الدهر قليلا، لينتهي الأمر بعد ذلك في 1958 إلى المؤسسة العسكرية التي لم تتبدل هي الأخرى النهج السياسي الزمني، والملاحظ أنه بعد أن انتهى برنامج المقاومة الذي شغل الجميع وقتاً طويلا، اشتعل الصراع على السلطة والجاه والمال، وأصبح هذا الثالوث برنامجاً بديلاً لبرامج مقاومة الاستعمار،وفي ظل هذا الصراع الزمني المؤنسن ، تلفت بعض الساسة من أهل السودان إلى التاريخ والتراث لا ليستصحبوا ما فيه من إيجابيات ويطوروها لخدمة الشعب والبلاد، وإنما ليستعيروا منه وسائل الدهاء والمكر السياسي ،فوجد كثيرون منهم ضالته في استخدام الدين كوسيلة لإحراج الخصوم ولوي أذرعتهم خاصةً بعد ثورة أكتوبر 1964م،وكان لهذا المنهج المخاتل أثره الضار على تطوير الفكر السياسي الإسلامي على نحوٍ علمي وموضوعي حتى أن الكتابات السودانية القليلة التي أنتجت من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا فيما يخص السياسة لم تكن تهدف في حقيقة أمرها إلى إنتاج دولة الإسلام بقدر ما أنها كانت بمثابة ردة فعل تبريرية لمجابهة الخصوم وإبعادهم عن مراكز القوى والنفوذ ويقف شاهداً على ذلك صراعات الجمهوريين "جماعة محمود محمد طه" والإخوان المسلمين ، وكذلك الصراعات الإيديولوجية التي دارت بين الأخيرين وبين ذوي التوجهات اليسارية من شيوعيين وناصريين وقوميين عرب،ولقد كان لهذه الصراعات الإيديولوجية أثراً سيئاً صرف الجميع عن البحث المعرفي الجاد لإنتاج فكر سياسي ناضج ينطلق من واقع الدولة السودانية ويسعى إلى إنتاج أفكار عملية تلبي متطلبات ذلك الواقع، ولا ادعي أنني قرأت كل إنتاج الفترة الممتدة من أكتوبر حتى تاريخ اليوم،ولكن فيما يتعلق بالأفكار السياسية العملية فيما يخص الفترة من الاستقلال وحتى اليوم لم أقف على أي فكرة سياسية عملية تزعم أنها تنطلق من مرتكزات إسلامية وتضع تصوراً لشكل الدولة وتُنَظِر لعلاقة الدولة بمواطنيها وكيفية حكمهم سوى فكرة أسس دستور السودان التي استوحاها محمود محمد طه من الدستور الأمريكي وطرح فيها الفيدرالية بعد إجراء تعديلات عليها تجعلها تتوافق مع الواقع السوداني.وبما أنني في هذا المقال مشغول بالفكر الإسلامي السياسي، فإن محمود محمد طه ليس ببعيد عن نطاق ما يشغلني ، ذلك أن أطروحته الفكرية ليست مقطوعة الصلة بمدارس الفكر الإسلامي،خاصةً أنه زعم الانطلاق فيما طرحه من مرتكزات إسلامية وأن أطروحته تمثل خلاصة ما قاده إليه اجتهاده ،وهو زعم يدخله في دائرة الفكر الإسلامي حتى لو اتهمه البعض بالشطط والجنوح في الاجتهاد إلى غير مألوف الناس.
المتأمل في مخرجات ثورة أكتوبر المتفجرة بسبب تأزم حرب الجنوب ، يلاحظ أنها أدخلت الدين بكثافة إلى حيز السياسة السودانية بعد أن ابتعد عن هذا النطاق طيلة فترة المقاومة الوطنية للحكم الثنائي،فبعد أكتوبر حاولت الأحزاب السياسية السودانية الكبيرة باستثناء قوى اليسار إيجاد نسب بينها وبين قضية الشريعة الإسلامية،وتحدثت جميع قوى اليمين عن الدستور الإسلامي،وبشرت به كحل لأزمات البلاد في شتى صورها وضروبها، لكن للأسف هذا التبشير لم يتجاوز حيز الخطب الحماسية التي ألهبت العواطف والمشاعر دون العقول، رغم الأسئلة الكثيرة التي طرحت بمناسبة الحديث عن الدستور الإسلامي والتي كان من المؤمل أن تكون الإجابة عليها حافزاً لإنتاج فكر سياسي إسلامي ناضج يلامس واقع الفضاء السوداني،إلا أنه بدلاً عن ذلك حاولت الأحزاب الكبيرة ممثلة في الأمة والاتحادي المزايدة على أمر الدين بعد أن جرهم إلى هذا الميدان الأخوان المسلمون الذين هم الآخرين قصر بهم اجتهادهم بل استقالت منهم في هذا الحيز العقول ،فلم ينتجوا فكراً سياسياً يقنع العقل الناقد، وظل دورهم منحصراً في إحراج الخصوم خاصةً من الأمة والاتحاديين وتصوريهم لمؤيديهم على أنهم لا يعنيهم أمر الدين ولا الدولة الإسلامية في شيء وبذلك انصرف الجميع عن التفكير الموضوعي الذي يبحث عن الحلول لمشكلات السياسية السودانية ، وأصبحت علاقة الدين بالدولة بذلك هي أم المشاكل والمعضلات التي أنتجها صراع الخصوم على مسائل زمنية تتعلق بالسلطة والجاه والمال، وكانت هذه العلاقة "علاقة الدين بالدولة " هي الصخرة الكأداء التي تحطمت عندها آمال السودانيين الذين اصطفوا وصفقوا للاستقلال. فالمتصارعين من ذوي النفوذ والطموح أنتجوا المشكلة لكنهم جميعاً وقفت عقولهم عن إبداع حلٍ لها، وقصرت بهم طاقاتهم الفكرية عن إنتاج فكرة إسلامية عملية شمولية تتنزل بمثال الدين الإسلامي إلى واقع الدولة السودانية.،وتولد عن ذلك أن أعتاد السياسيون والمفكرون الإسلاميون السودانيون العيش والتوافق مع المتناقضات ،وكان حصاد هذه الشيزوفرينيا السياسية أن أيدت جميع الأحزاب السياسية السودانية اليمينية و طاقاتها الفكرية مبادئ ثورة أكتوبر وكذلك أيدت مقررات المائدة المستديرة، مع أن تلك المقررات كانت ذات صبغة علمانية على الأقل فيما يخص علاقة الفرد بالدولة، فقد أسست تلك العلاقة على المواطنة لا الدين ،فضلاً عن أن الحلول التي اقترحت في ذلك المؤتمر لمشكلة الجنوب قاربت جميعها الزمنية والأنسنة والبرغماتية ،ولم يقل لنا ولا واحد من مفكري اليمين الإسلامي عن وجه الاجتهاد الإسلامي المبدع الذي أستند إليه في تأييد تلك المقررات ذات الصبغة الزمنية ، بل إن جميع قوى اليمين بما في ذلك حركة الأخوان المسلمين ممثلة في جبهة الميثاق الإسلامي خاضت انتخابات ما بعد أكتوبر مما يعني وفق نظرية العقد الاجتماعي قبولها لهذا الوضع الزمني العلماني الذي أنتجته ثورة أكتوبر. "يتبع"

"7/7"
وعندي أن غياب الرؤية الشمولية فيما يخص أمر الدولة الإسلامية أدى إلى ارتباك قوى اليمين ووقوعها في أدواء الانقسام النفسي والفكري والتأرجح في المواقف السياسية بين النقيض ونقيضه،يدل على ذلك أن ذات القوى التي أيدت مؤيدات المائدة المستديرة وذات القوى التي صنعت أكتوبر المتفجرة بسبب أزمة الجنوب عادت هي الأخرى لتطرح في العام 1968م مشروع الدستور الإسلامي، الذي قصرت آلة الاجتهاد عند معديه ومقدميه عن بلوغ الغاية والمقصد، فقد تناسى القائمون على أمر الدستور الإسلامي الواقع القومي الذي يتصادم مع كثيرٍ من النصوص الشرعية ذات العلاقة بالولاية العامة ،وتلك التي تنظم علاقة غير المسلم بالدولة الإسلامية من مثل عقود الذمة والأمان ، وقد بلغ الحرج بمقدمي الدستور الإسلامي مبلغه عندما جابههم ذوي الانتماء القومي غير الإسلامي بأسئلة في هذا الصدد داخل جلسات البرلمان"فيليب غبوش"، هذه الأسئلة الكثيرة التي انفتحت بشأن مدى صلاحية الدستور الإسلامي للتطبيق في واقع الدولة السودانية كان المؤمل منها أن تفتح باباً للبحث والتفكير عن حلول واجتهادات مبدعة تجد لنفسها سنداً في الدين نفسه ، لكن للأسف تعامل الجميع مع الأمر وكأن شيئاً لم يحدث ،فلم نر كتابات جادة أو تفكير مستثار تشحذ همته قضية البحث عن حلول عملية للمشكلة،وما يحز في النفس أكثر،أن بعض مفكري العالم الإسلامي الذين لم يجابهوا في واقع بلدانهم بمثل هذه الأسئلة ،أعمل الكثيرون منهم عقولهم وفرضوا الفروض واستنبطوا حلولاً فيما يتعلق بإشكال الدولة الإسلامية ولا يعنينا في شيء أن نتفق أو نختلف مع تلك الحلول، وإنما الذي يعنينا أنهم أعملوا عقولهم في الوقت الذي استقالت فيه عقولنا عن التفكير ، ومن أولئك الذين تفتقت عقولهم عن اجتهادات في هذا الباب على سبيل المثال المفكر المغربي علال الفاسي الذي أبدع فكرة إجماع الأمة للعبور عن طريقها إلى فكرة الديمقراطية ، وقد حاول القائمون على أمر دستور 1998م الاستفادة من هذه الفكرة في صياغة المادة "65" من الدستور التي عالجت مسألة مصادر التشريع ،فقد نصت المادة "65" من الدستور المذكور على أن " الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً وعرفاً هي مصادر التشريع ..إلخ المادة " فإجماع الأمة عبر آلية الاستفتاء في هذا النص مصدر مساوٍ تماماً للشريعة الإسلامية ،ذلك أن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه، وإجماع الأمة في هذا المقام هو غير إجماع الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها،ونفس الشيء يقال عن العرف وهو هنا أيضاً العرف العام وليس عرف الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها، والذي كما نعلم يتقيد إطلاقه بنصوصها ولا يجوز أن يخالفها،وكنت آمل أن يشير الذين اقتبسوا هذه الفكرة " فكرة إجماع الأمة"إلى صاحبها "علال الفاسي" ويقولوا إنهم مقلدة للرجل، وإلا وجب عليهم أن يبدوا للناس وجه إبداعهم واجتهادهم الذي قادهم إلى صياغة مثل هذا النص الدستوري "المادة 65" وسند ذلك من المنقول والمعقول .
من المبدعين أيضاً الذين تأملوا في مسألة الدولة الإسلامية أبو الأعلى المودودي الذي اصطدم بواقع دولة قومية يشبه واقع دولة السودان تماماً ، من حيث التعدد الديني والعرقي والثقافي، فالرجل قد عاش في ظل دولة الهند الكبرى ذات التباين الديني والعرقي والثقافي الواضح ، وحلم ليل نهار بإخراج فكرة الدولة الإسلامية إلى حيز الوجود ،إلا أنه اختار أن يكون أميناً مع سلفيته بغض النظر عن النتائج التي تقوده إليها فسعى إلى إقامة وطن خاص بالمسلمين وحدهم تكون نواته دولة "باكستان" ،وحاول بذلك أن يتحاشى الانقسام الفكري بعد أن اختار لنفسه أن يساير الدلالات اللغوية للنصوص الشرعية بطريقةٍ سلفية ، إيماناً منه بأممية الإسلام ودولته التي تحصر السلطة في المسلمين دون سواهم وتحدد علاقتها بغير المسلمين على نحو ما ورد في النصوص الشرعية بغير نقص ولا زيادة ونفس الشيء انتهجه في تفكيره بشأن تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالخارج وفق ما انتهت إليه نظرية دار الإسلام ودار الحرب المشهورة عند السلف،لا بل حين اصطدم بواقع الدولة القومية الباكستانية يفرض نفسه ،عنف كل التيارات الإسلامية التي تحلم ببناء دولة إسلامية عبر فكرة القومية، حتى إنه قال في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور "ص92" من طبعة مؤسسة الرسالة،قال ما نصه ( ... ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء، يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى،ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي ،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم ،وإن نجح مشروعه فلا شك يكون معجزة (.....) فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وإنجاز مهمته). بمثل هذه الرؤية المودودية نظرت حركتنا الإسلامية السودانية إلى دستور ي 1956 و1973 ، فرأت فيهما علمانيةً سافرة وخروجاً على نصوص الشريعة واضح للعيان،وسعت ما أمكنها الجهد لتغيير هذا الوضع لكن بلا اجتهادٍ ولا رؤية وبلا منهجية شاملة أو مدروسة،فهي – أي الحركة الإسلامية السودانية -حين ساهمت في إعداد دستور 1968 الإسلامي اصطدمت فكرتها عن دولة الإسلام بواقع الدولة القومية السودانية وتباينات الدين والعرق والثقافة فيها، وكما قلنا لم يحفزها ذلك إلى إبداع حلول أو اجتهادات مبدعة فكان مآل الدستور الإسلامي الفشل وعدم القبول ،وفي عام 1983 تمكنت من فرض رؤية تجزيئية حين ساهمت في إنفاذ قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ظلت الأمور معها على المستوى الدستوري من الدولة على ذات وضعها القومي ذو الصبغة العلمانية، ولما نالت البغية ووليت أمر الدولة في يونيو 1989م أرادت أن تفرض مشروعها الحضاري ،وفشلت في ذلك بسبب أن المشروع ذات نفسه كان أمراً هلامياً غير محدد المعالم،وبسبب القصور الاجتهادي المبدع ،وجدت الحركة نفسها مضطرةً إلى تجاوز النصوص الشرعية ذات العلاقة ببنية الدولة الإسلامية ولم تجد لنفسها من اجتهادٍ تركن إليه سوى القول بفقه الضرورة ،الذي ورطها في حرجٍ كثير بعد أن أصبح قاعدة عامة مع أن وضع الضرورة عند كافة فقهاء الإسلام هو استثناء عارض يقدر بقدره ثم يعود الأمر إلى أصله وأساسه، فقد رأينا هذه التجاوزات – تجاوزات النصوص الشرعية -في مشروع دستور 1998م الذي نَظَر له الإسلاميون وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي فأخرجوه إلى حيز الوجود ،وبه الكثير من الثغرات التي جعلته عرضة لنقد الجماعات الإسلامية السلفية ، خاصةً أن من قاموا على أمره بشروا الناس بأن منطلقهم إسلامي لكن عند الجد تضاربت نصوص الدستور المقيد بواقع القومية مع نصوص الشريعة على نحو ما أنذر أبو الأعلى المودودي في حديثه السابق ذكره، وقد ظهر هذا التضارب جلياً في فاتحة الدستور في المادة الأولى التي وصفت شكل الدولة ،وقد جاء فيها أن ( دولة السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراق والثقافات وتتسامح الديانات والإسلام غالب السكان وللمعتقدات العرفية أتباع معتبرون )، فهذا النص تضمن اعترافاً بالأمر الواقع بما في ذلك المعتقدات العرفية ،وهو أمر يتعارض مع ظاهر النصوص الشرعية فضلاَ عن أنه- أي النص – التف على شروط الذمة والأمان من غير أن يبين، أما المادة الرابعة من الدستور المذكور "دستور 1998" فقد تضمنت مصطلحات إسلامية لكن عند تدقيق النظر يتضح أنها لا تختلف عما ورد في دستوري 1965 ،1973 من تأسيس لأمر الدولة على القومية والمواطنة فقد نصت المادة الرابعة على أن ( الحاكمية في الدولة لله خالق البشر ،والسيادة لشعب السودان المستخلف يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن وبسطاً للعدل والحرية والشورى وينظمها الدستور والقانون )، فهذا النص بالفعل تضمن اصطلاحات إسلامية إلا أن النتيجة سيادة قومية لا تختلف عن سيادة أي دولة قومية زمنية، فالحاكمية وفق هذا النص لله خالق البشر ،ولكن السيادة "الشأن الدنيوي" لشعب السودان المستخلف بكافة أطيافه الثقافية والدينية والعرقية ،وهذا فيه أيضاً التفاف على نظرية الاستخلاف الإسلامية ،وكنت بصدد هذا الالتفاف من الذين ينتظرون تخريجاً أو تأويلاً إسلاميا مبدعاً،ونقبت عن ذلك في مقالات الإسلاميين ولم أجده ،وبشرت نفسي بالظفر به عند صدور كتاب النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع للدكتور حسن الترابي إلا أنني لم أظفر ببغيتي فيه،ولم أجد فيه ما يشفي الغليل،وأصابني بالإحباط أنه حتى فكرة إجماع الأمة التي طرحها الدكتور حسن الترابي في كتابه المذكور لم يتبعها بصناعة شرعية على طريقة علماء الأصول الذين إن قال أحدهم على سبيل المثال بتخصيص النص بالمصلحة على نحو ما فعل نجم الدين الطوفي أو برفض القياس على نحو ما فعل ابن حزم فإنه عادة ما يتبع هذا القول أو هذا الرفض بسند من المنقول والمعقول.
أما الدستور الأخير – دستور 2005- المستوعب لبرتوكولات نيفاشا ،فتدل غالبية نصوصه على التسليم للأمر الواقع في الدولة السودانية ،لا بل تمثل حالة إحباط لدى الإسلاميين تنذر بموت الإبداع والاجتهاد لديهم،خاصةً مع اجترارهم آراء الاتجاهات الفكرية التي فجروا معها في الخصومة واستصحابها في شئون الحكم والسياسة،والاكتفاء بالتبشير اللفظي بالدولة الإسلامية ،وهذا يؤخذ عليهم ويجعلهم محل اتهام فحواه أنهم لم يكونوا دعاة فكر وإبداع إسلامي بقدر ما أنهم كانوا برغماتيين سياسيين،بل يضعهم في مجابهة مع تهمة استصحاب الدين لغرض الوصول إلى السلطة ،فضلا عن ذلك فإنه يمكن القول بأن ندرة العقل الناقد في الحركة الإسلامية السودانية ، والانصراف عن إيجاد إجابات للتساؤلات المفتوحة بشأن الدولة الإسلامية ،أديا إلى ذبول فكرة الدولة الإسلامية وانتهائها إلى نوع من الإحباط أنتج لنا متطرفين دغمائيين يلوكون هم الآخرون مقولة دولة الخلافة الإسلامية من غير أن يقدموا تصوراً لانبثاقها وماكينزمات عملها في ظل هذه التشابكات التي تسود حياتنا المحلية والإقليمية والدولية في عالم اليوم،ومما يؤسف له أن الفرصة التي أتيحت للإسلاميين السودانيين لم تتح لغيرهم من المدارس الإسلامية على مدار التاريخ الإسلامي باستثناء شذراتٍٍ قليلة كانت القيادة الفكرية والسياسية فيها متحدة في يد مفكرٍ واحد أو إن شئت الدقة فقل في يد مدرسة فكرية واحدة مثل مدرسة ابن تومرت في دولة الموحدين ومهدي السودان في دولة المهدية ،،ونذكر في الختام بأننا زعمنا في صدر هذه المقالة وقلنا في الحلقة الأولى منها إن الاجتهاد والإبداع السياسي الإسلامي في باب الحكم والسياسة تخلف في العالم الإسلامي بسبب الكبت الفكري والهيمنة التي فرضها الساسة والأمراء على أهل الفكر والفقه والإبداع ،فيا ترى ما الذي أقعد العقل الإخواني الإسلامي السوداني عن الإبداع والاجتهاد بعد أن اتفقت له ثنائية الفكرة والسلطة،وما الذي أدى لاستقالته وهو الفقيه الأمير؟ إنها أسئلة مشروعة تبحث لنفسها عن إجابة.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

خليفة السمري - المحامي