الأربعاء، 2 مارس 2011

إلى اجتثاث الفساد هل من سبيل؟



كلنا فاسدون أنا وأنت وعظيم البلاد،إن لم يتداركنا الله برحمة توزانات القوة، ( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكنَّ الله ذو فضلٍ على العالمين ) البقرة 251، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامعٌ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله قويٌ عزيز) الحج 40 ،فإذا اتفقنا على أن الفساد داء فالواجب أن نبحث عن أصله قبل توصيف الدواء، وهذا للأسف ما تقافزت فوقه الحكومة حين أعلنت قيادتها أن علاج الفساد يكون بإستيلاد مفوضية جديدة تتولى أمر مكافحة هذا الداء العضال، فذهبت في تركيب وصفة العلاج على طريقة دفن الرؤوس في الرمال،مع الجفول عن حقيقة أن غياب توازن القوة هو السبب الرئيس في توالد الفساد وانتشار خلاياه المسرطنة على امتداد البلاد، أسمع معي الكوابي ماذا يقول بصدد بحثه عن الداء الدفين الذي أقعد أمة العرب والمسلمين عن النهوض، يقول عليه رحمة الله في فاتحة كتابه طبائع الاستبداد (أقول وأنا مسلم عربي مضطرٌ للاكتتام، شأن الضعيف الصادع بالأمر، المعلن رأيه تحت سماء الشرق، الراجي اكتفاء المطالعين بالقول عمن قال، وتعرف الحق في ذاته لا بالرجال، إنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف هجرية ،هجرت دياري سرحاً في الشرق، فزرت مصر.... فوجدت أفكار سراة القوم في مصر كما في سائر الشرق، خائضةً في المسألة الكبرى ، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموماً، وفي المسلمين خصوصاً، إنما هم كسائر الباحثين ، كلٌ يذهب مذهباً في سبب الانحطاط ، وفي ما هو الداء، وحيث أني قد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي وداوؤه دفعه بالشورى الدستورية، وقد استقر فكري على ذلك – كما أن لكل نباءٍ مستقر- بعد بحث ثلاثين عاما)،أ.هـ، هكذا بعد مقدمات وترجيحات مبسوطة في سفره العظيم وصل الكواكبي عليه رحمة الله إلى أن الاستبداد أصل كل أدواء الأمة ، ومن بين هذه الأدواء الفساد الذي نجأر منه بالشكوى في بلادنا، فإذا كانت نوايا القيادة صادقةً حقاً في مكافحة هذا الداء ، فينبغي أن تسلك سبيلاً سالكة لعلاجه، تصلنا بجوهر الديمقراطية لا بهيالكها وأشكالها النخرة ، فإذا بسطت الحرية بيننا، ونهضت دولتنا الديمقراطية المدنية الدستورية فإن مافيا الفساد ستزول تلقائياً ولن تحتاج منا إلى مفوضيات، ذلك أن الأمر كله منوطٌ بالتدافع، وحفظ توازن القوة في المجمتع ، فإن غاب هذا التوازن وهجس بيننا التدافع ،فلا تبشرنا بأية أدوات أو آليات لمكافحة أدواء المجتمع فهي بلا شك ستولد ميتة، يدلك على ذلك فشل نيابة مكافحة الثراء الحرام والمحاكم المتخصصة التي فُرِّغ قضاتها لهذا الغرض فلم تؤد الغرض، لا لنقص الكفاءة، ولكن لغياب الإرادة واختلال الميزان لمصلحة ذوي النفوذ والسلطان، فلا صلاح ولا فلاح ولا سبيل لمحاربة الفساد في ظل غياب الديمقراطية حتى ولو كان القائمون على أمرالحكم يقيمون الليل كله في محراب التحنث والعبادة، وفي معنىً قريب من ذلك يقول الكواكبي في صفحة "8" من سفره العظيم "طبائع الاستبداد" ( ويكفي هنا الإشارة إلى أن صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الفرد ا لمطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وتشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسوؤل ،وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتفاق أضرَّ من استبداد الفرد، ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية ،فيكون المنفذون مسوؤلين لدى المشرعين ، وهؤلاء مسوؤلين لدى الأمة، تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب)أ.هـ، فقل لي بالله عليك كيف تستطيع المفوضية المقترحة أن تؤدي الدور المنوط بها وأن تتقاضى الحساب نيابةً عن الأمة ،إذا ما كانت هي ذات نفسها ستخضع لأهواء ذوي النفوذ والسلطان؟، شأنها شأن الأجهزة العدلية التي فشلت في مهمة مكافحة الفساد لهذا السبب الذي ذكرناه، ودليل فشلها أن ولاة الأمر في الدولة يبحثون الآن عن بديلٍ فاعل لمكافحة الفساد أو ما أسماه رئيس الجمهورية (بمفوضية مكافحة الفساد)،وهذا الفشل سيبقى بيننا إلى ما شاء الله إن لم تجنح الحكومة إلى تبني نهج الإصلاح الذي طرحته المعارضة،بل دعى إليه حتى بعضٌ من الفاعلين في الحزب الحاكم، وينبغي أن ينصب هذا الإصلاح على جوهر القضايا، ممثلةً في الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخاب الحر الشفاف، فإذا بسطت هذه المعاني بيننا فإن شهوة المال ستكبح ضرورةً بأدوات الشفافية والمساواة أمام القانون ولن نخشى بعد ذلك على المال العام من متنفذٍ ، ومن غلبت شهوته فإن القضاء المحايد النزيه سيكون له بالمرصاد، فالعلة كلها يا سادتي تكمن في داء غياب توازن القوة في بلادنا، فالبرلمان والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية تتداخل الآن في دولتنا بصورةٍ تعيق التصدي لأي فساد مالي،وينبغي للخروج من هذا النفق المظلم أن تتكاثف الجهود الصادقة من الحكومة والمعارضة معاً على التوافق على نهج إصلاحي تكون غايته إقصاء الاستبداد من بيينا لأنه سبب كل الكوارث والإحن ،وصدق الكواكبي حين قال : ( الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم ، وأمي الإساءة ، وأخي الغدر، وأختي المسكنة ، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال)أ.هـ ، ولا سبيل لرفع كل هذه السواءت عن كاهل الشعب السوداني إلا بتنبي نهج الإصلاح الذي يبسط بيننا الديمقراطية ويلجم شهوة النفوذ، فهل يا ترى تستجيب حكومتنا السنية لندءات أولي النهى من قيادات المعارضة وبعض قيادات المؤتمر الوطني؟ ، أم أنها ستضطر شعبها أن يردد مع حكيم معرة النعمان قوله :( إذا لم تقم بالعدل فينا حكومةٌ ..فنحن على تغييرها قُدَرَاءُ )؟، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

الخميس، 17 فبراير 2011

أحقاً قضيتنا التطريب والمعازف؟


الإكتئاب العام كثيراً ما تنتج عنه ظواهر اجتماعية جديدة، بعضها يصب في خانة الإبداع، وأكثرها يصب في خانة الهروب من الواقع، ليفرز لنا لا مبالاة في كل ضروب حياتنا، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية منها، فأنت إذا تأملت واقع الشعب السوداني في وقته الحاضر، تجد نفسك أمام ظواهر كثيرة تلفت ناظريك ، وتجبرك أن تربط بين علاقاتها بحثاً عن أسبابها وجذورها، وعوامل انتشارها وذيوعها، مثلاً أن يتحول غالبية الشباب في مجتمع ما إلى مغنيين ومدندنين ومداح وضاربي دفوفٍ وأعواد ، في ظل هذه العطالة والفقر المدقع ،فإنه لا تفسره إلا نظريات الاكتئاب العام، ومن قبل قال الدكتور زكي مبارك بصدد نقده للتصوف (إنه وصفة شعبية لعلاج اكتئاب اجتماعي)، وحقاً قد أفلح شباب السودان في تركيب وصفات الدندنة لتعزية أنفسهم ومؤاساتها، فبدا أنهم يتظاهرون بالطرب لكنه في الحقيقة طرب المذبوح من الألم، نقول هذا ولسنا من الغلاة الذين يقفون إلى صف تحريم السماع بإطلاق ،ونصيرنا في ذلك ابن حزم الأندلسي ، ورأيه في السماع معلومٌ ومشهور، ومن المشهور أيضاً عن الإمام الغزالي قوله في هذا المقام : ( من لم يهزه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج)، وإنما الذي لفت نظرنا ودعانا لمعاضدة من يقولون بسلبية هذه الظاهرة التطريبية المنتشرة بيننا الآن، أن كل ضروب الفنون الأخرى من الكتابة والإبداع والابتكار الذي ينتج حلولاً لمشكلاتنا قد توارت في ظل هذا السيل الجارف من الدندنات، فأنت متى ما جلست تشاهد أية قناة سودانية إلا وانداحت إلى طبلة أذنيك فيوضٌ من جيد الغناء وغثه ،حتى يصاب رأسك بالدوار، لكنك من النادر جداً أن تسمع حواراً فكرياً، أو نقاشاً حول كتاب، أو فكرةً مبتكرة تعالج قلة انتاجنا، أو كساد بضاعتنا وصادراتنا، فهل نحن أهل سفهٍ وغناءٍ وتطريب ، غايتنا في الدنيا أن نتراقص ولو لم نملك قوت يومنا على رأي ابن خلدون في أهل جوارٍ لنا؟ ، أم أن الأيام باعدت بيننا وبين تأثيرات المغاربة الذين وصفهم الرجل في مقدمته بقوله: (تجد الواحد منهم في همٍ وغمٍ وإن ملك قوت عامه) بسبب الإغراق في التأمل والتفكير، فكان منهم ابن رشد الحفيد الذي وصل الغرب كله بطريقة اليونان (أرسطو)التي أفضت إلى ما نراه اليوم من تقدمٍ مادي في حياة الغرب والإنسانية جميعا ؟، الحق يقال إن أهل السودان في جملة طباعهم إلى أهل المغرب العربي أقرب، وبفضل الله، ثم بتأثيرات المتصوفة المهاجرين من تلك البلدان ظلت شخصية السوداني - رجلاً أو امرأة- طابعها الحياء والاحتشام، حتى أنه من المشهور بين كبارنا أن الواحد منهم إذا غشيه طائفٌ من الضحك أو التبسم يجنح إلى وضع طَرَفٍ من ثوبه على فمه ليداري هذا الفعل (الذي لا يليق برجولة الرجال) ،وقد صوَّر لنا الأديب الطيب صالح عليه رحمة الله، مشاهد من ذلك في روايته موسم الهجرة إلى الشمال فسمعنا معه ( ود الريس) يطلب من الله المغفرة بعد أن تورط في بعضٍ من الضحك القسري، ( مسح دموعه بطرف ثوبه ،وقال :استغفر الله).
أصوغ هذه التوطئة لألج عبرها إلى الأمسيات الخرطومية، التي خلصنا من (موالها)، وقلنا انفض سامرها ،فإذا بأمسيات أمدرمان الموسيقية تمطرنا انصرافاً عن جوهر القضايا، وبعد غدٍ على هذا (الدف) ستكون ليالي بحري، ثم مدني وبورتسودان، للأسف في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد نتشاغل، ونتشاغل ، وكأن ميزان مدفوعات الاقتصاد سيغذى بالغناء والتطريب، إنه فعلاً زمان السحر والشعوذة ، بلادٌ نقصت من أطرافها، ودارفورها تشتعل، واقتصادها تحدق به الاخطار من كل الأنحاء، وفي كل بقعةٍ منها مشكلة، ثم بعد ذلك تجنح الجهات الرسمية فيها إلى رعاية مزيدٍ من التشاغل والانصراف! إنها فعلاً بلاد العجائب والغرائب.
كثيرون من بيننا، اتهموا مثل هذه السهرات المجنحة ،والمسافرة في اللاواقع بأنها تبديد للمال ، خاصاً أو عاماً، فإنه في وجهة نظرهم سفه، وأنه من الأولى أن يدعم به الفقراء والمحتاجين، أو أن تطبع به كتبٌ مدرسية تلاميذنا في أشد الحاجة إليها، وبعضٌ آخر ذهب إلى القول بأن هذه السهرات القصد منها إشغال الشباب عن مشكلاتهم الحقيقية، وتشتيت طاقاتهم، حذَرَ أن يقع منهم ما وقع من شباب تونس الخضراء ومصر المجيدة، إلى غير ذلك من الآراء، لكني في هذا المقام أزيد ،وأقول: إن الجهات الرسمية لم توفق في رعاية تلك الليالي الموسيقية، ذلك أن مجال التطريب والفن والموسيقى أضحى في مجتمعنا تجارةً لها شركاتها،وسماسرتها، ومروجوها، وبلغ الأمر بانتشار بضاعتها أن الغث منها ملأ أسواقنا حتى تأذت منه الأذواق، لذلك كان أجدر، وأليق بالجهات الرسمية أن توجه رعايتها إلى مجالات إبداعٍ ضمُرَت وتجافاها الناس زمناً طويلاً، فالدكتور حيدر إبراهيم علي حكى للجميع تجربته مع المكتبة المدعومة التي حاول عبرها نشر الكتاب بين جمهورٍ لم يقو على توفير ثمن الخبز، دع عنك ثمن القراءة والتثقيف، اجتهد الدكتور حيدر لتوصيل الكتاب إلى الناس، ولكن بسبب ضيق يده، وعوز الجمهور انتهى أمر مكتبته إلى التواري عن الأعين في مستودعٍ أرهقه الإحباط، فجسَّد حالة أبي حيان التوحيدي الذي أحرق في ساعة كآبة كل ما خطت يمينه سخطاً على إهمال نخبة الساسة والدهماء، ولم ينجُ من الحريق إلا الإمتاع والمؤانسة والذخائر والبصائر وقليلٌ من محزماتٍ كانت في أيدي آخرين، وبقية انتاجه الفكري ذهب مبغياً عليه في لحظة إحباطٍ سوداوية، وأظن أن هذا هو الآن حال معظم الذين يعتنون بالكتاب من أهل السودان، إن بقي هناك من يهتم بالكتاب وغيره من ضروب الفنون والإبداع، هذا إذا علمنا أن شرط نهوض الأمم منوطٌ بإدراك العلاقات البعيدة بين الأشياء، ولا إدراك للعلاقات في مجالات الاقتصاد والسياسة وشتى ضروب الحياة إلا بالتنوير الذي أداته الكتاب وتبادل الأفكار، وما من طريق سالكة للخروج من ورطة التخلف إلا بتنمية الموارد البشرية، ولنا في تجارب ماليزيا والبرازيل أسوة حسنة، فبدلاً من هذه الليالي الساهرات، كان أجدر بنا أن نحفز شبابنا إلى الإبداع اليدوي المنتج على نحو ما فعلت الصين التي غمرت العالم بمتنوعاتٍ من البضائع، تنبي عن جهودٍ خارقة من القيادة السياسية والصفوة المخططة، أما التراث الشعبي من الغناء والفنون فإن حفظه لا يحتاج إلى كل هذه الجهود المزعومة التي يتنطع بها بعضٌ منا، فقد ظلت ثقافتنا الشفاهية تحفظ هذا التراث بلا دراسات ولا تخطيط حال كونه جزء من وجدان الجميع ، وقد غيض الله لنا في زماننا هذا وسائل حفظ شبه مجانية ،انداح إليها تراثنا بلا جهود رسمية ،ويقف شاهداً على ذلك الكم المنشور من الأغاني والمدائح والتراثيات في موقع اليوتيوب، لذلك فإنه ينبغي علينا توفير طاقات الشباب لما هو أهم،وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ،ويقوم به أمر معاشهم ومعادهم بدلاً من التورط في سهراتٍ تترى، قالت لنا الإنقاذ في مطلع انقلابها بأنها جاءت للحد منها في ظل مشروعها الحضاري الذي قصد إلى تأطير شعب السودان وإعادة صياغته بما يخدم أهداف المشروع الإسلامي في السودان، وها نحن نحصد ثمار المشروع سفوراً، وتراقصاً في الليالي الساهرات ، ونجنيها قنوات فضائية تتبارى في تلوين حياتنا الثقافية بألوانٍ طالما انتقدها الإسلاميون في يومٍ من الأيام وزايدوا على مقارفيها ،حتى قال قائلهم - إمعاناً في المزايدة - : ( إن الكرام على الجياد مبيتهم ..فدع الرماح لأهلها وتعطرِ) ،فهل نحن يا ترى شعبٌ مثقوب الذاكرة؟ والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

احتربت حتى سالت دماؤها .. فلما تذكرت القربى فاضت دموعها


الصادق المهدي ــ اختلفنا معه أو اتفقنا ــ فهو رجل اجتمعت فيه سماحة الطباع، وزينته فضيلة الاعتدال، وتمايز عن غيره بطول النفس، والترفع عن الضغائن والإحن، والنأي بالنفس عن الأحقاد والثأر والانتقام، وكأني به قد ترسم في طريق حياته قول القائل «وسيد القوم لا يحمل الحقدا»، إلى جانب ذلك فإن الرجل قد خبر الحياة فعاقر حلوها ومرها، واتقدت بذلك فكرته ونضجت تجربته، ولهذه الأسباب مجتمعة ظل تعاطيه مع السياسة والشأن العام يحمل في طياته قدراً من الأنأة وضبط النفس، وهذا للأسف ما جعل منه موضع سخرية وتندر من الشانئين، وموضع تَبَرُمٍ وقلق من الناقدين المشفقين، فبعضٌ منا، بسبب موجدته من الإنقاذ لم ير فيه غير أنه من القيادات التي قلَّت حركتها وضعفت حيلتها، وظلت طوال تاريخها السياسي تتذبذب في المواقف، وبعضٌ منا، تمظهر بالموضوعية، حين قال: إن خبرة الشيوخ دوماً تقتل الثورة، حال كونهم يفتقرون لحماس الشباب، وتنقصهم فضيلة التضحية والمغامرة لأجل الوطن، حتى أذكر أن أحدهم استعار بصدد نقاشٍ محتدم عن مهادنة نظام الإنقاذ، على أيام جيبوتي الموءودة، استعار جدلاً أجراه الدكتور طه حسين على لسان طالب يحاور شيخه على طريقة أفلاطون مع تلاميذه في الجمهورية، «إذ قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ : ألم تر أن فلاناً ولد حراً، وشبَّ حراً، وشاخ حراً، فلما دنا من الهرم آثر الرق في ما بقي من الأيام على الحرية التي صحبها أكثر العمر !، قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أضعفته السنين فلم يستطع أن يتحمل الشيخوخة والحرية معاً، وأنت تعلم أن الحرية تُحَمِّل الأحرار أعباءً ثقالاً»، انتهى كلام الشيخ والطالب.
في الأيام الماضيات طالعتنا صحافتنا السودانية، بأعمدة ومقالاتٍ تترى تندراً، وتفيض سخريةً من موقف حزب الأمة الذي جنح فيه للتفاوض مع أهل الحكم في السودان، وكثيرون هم الذين رأوا في هذا التفاهم أنه لا يعدو أن يكون تنفيساً لبركان الثورة ومرجل الغليان، وآخرون جنحوا إلى القول بأن السيد الصادق ومن معه بموقفهم هذا جربوا المجرب، وسيعضون في ضحى الغد أُصبع الندم، فأمر الدعوة إلى التفاوض في نظر هؤلاء هو مجرد تكتيك من المؤتمر الوطني لفك طوق العزلة المضروب عليه من قوى المعارضة، وبعضٌ آخر ذهبت به الظنون إلى أن السيد المهدي وجد ضالته في هذه الدعوة إلى «التخارج» من ورطة العهد الذي قطعه على نفسه واستعد لتنفيذه في يوم مصرع غردون الدخيل، وهكذا ذهبت اتجاهات الرأي في أغلبها تَحْمِل على الرجل في غير هوادة، مع أن في الأمر فسحة لو نظر الناس إلى هذا الموقف بعين الموضوعية التي تضع مصلحة الوطن فوق الإحن والضغائن والصراع، فقل لي بالله عليك ماذا كنت ستقول عمن يطرح مبادئ وشروطاً لخصمه، ثم يرفض مجرد الحوار عليها أو على تنفيذها إن تمت دعوته لذلك؟ ولهذا فإنني بوصفي متابعاً للشأن العام، أجد للسيد الصادق ولحزب الأمة العذر في ما أقدم عليه، بل كنت سأكون من اللائمين إن فعل غير ذلك، لأن تخاذله عن مثل هذه الدعوة يصوره، ويصور المعارضة كلها بأنهم طلاب سلطة، لا طلاب قضايا، وأصحاب مصالح خاصة، لا مصلحة وطن ومواطن، ثم بعد ذلك ما الذي يضير في إجابة هذه الدعوة، فقد ظلت الإنقاذ تحكم البلاد واحداً وعشرين عاماً حسوماً، إلى أن ضاعت وحدتها بذهاب الجنوب، ومع ذلك ما حرك الشانئون قشة، ولا اتخذوا موقفاً مؤثراً إلا لجاجة القول التي لا تنتج طحيناً، فلماذا التعجل وقد عودتنا الأيام أنها دوماً تكشف عن الحق ولو بعد حين، وكما يقول السلف رضوان الله عليهم «الحق قديم» وعند السادة الصوفية أنَّ «من لم يأتِ بلطائف الإيمان يساق بسلاسل الامتحان»، فالظروف التي تمر بها البلاد في هذه الأيام من ذهاب الجنوب، وتأزم اقتصاد الدولة، والخوف على تمزق الجبهة الداخلية، وضغوط الواقع المحلي والإقليمي والدولي وغير ذلك، هي ليست لطائف، وإنما قيودٌ وسلاسلٌ من الكثائف التي توجب على المؤتمر الوطني أن يراجع سياساته في إدارة البلاد، شاء ذلك أم أبى، فإن شروط بقائه مرهونة بالوفاء بمتطلبات المراجعة التي ذكرناها، وهذه في نظرنا ظروف موضوعية تصب في خانة تفجر الأوضاع في البلاد إن لم يتلافاها من بيدهم الحل والعقد، وليس في قبول السيد المهدي الحوار أو تأبيه صلةٌ ببروز تلك الظروف إلى حيز الوجود، وبما أن تجنيب البلاد بحور الدماء والتورط في المزيد من التمزق والتفتت هو واجب وطني ينبغي أن يضعه جميع الحادبين على مصلحة الوطن في حدقات العيون، فإن الحوار القومي الشامل يجب أن يكون هدف الجميع، وأول الغيث قطرة، ومن وجهة نظري أن المعارضة إن كانت تريد للبلاد خيراً فعليها دعم مواقف السيد الصادق المهدي في مطالبه التي وضعها في يد السلطة، وتحديد سقف زمني للتفاوض حولها، والسعي لتوسيع الحوار عبر مؤتمر دستوري يلم شمل كل أهل السودان، من رَفَعَ السلاح منهم، ومن آثر العمل السلمي للتغيير، فالبلاد ما عادت تحتمل مزيداً من التعصب للجهويات، بعد موت الأيديولوجيا في أرض السودان، فالثورة الحقيقية أن يتم تغيير كل السياسات التي عقدت مشكلات البلاد، وليست الثورة هي دلق الدماء، وذبح المهج والأرواح كما يحاول البعض تصوير الأمور، فكم من ثورةٍ أحرقت أرتالاً من الضحايا ولم تحصد منها الشعوب إلا مزيداً من الديكتاتورية والشمولية والتسلط، فلنكن جميعنا دعاة تغيير، وطلاب تصحيح بثورة الجهاد المدني المتحضر، لا بالتخريب وسفك الدماء، وليكن شعار العمل المعارض على رأي السيد المهدي قول البحتري: «احتربت حتى سالت دماؤها.. فلما تذكرت القربى فاضت دموعها»، ففي ذلك صمام أمان للحفاظ على وحدة ما تبقى من تراب الوطن المعذب بصنيع فلذات الأكباد من سياسيي الكيد والمناورات، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

ماذا بشأن الشرعية الدستورية بعد رحيل الجنوب؟


في كل حقب تاريخ البشرية، ظلّ الناس ينظرون بعين الاحترام إلى أسس شرعية الحكم الذي عاصروه، فكانت في البدء عبادة الملوك التي تماهي فيها الإله مع شخص الملك، ثم تطور الأمر إلى شرعية الحق الإلهي أو التفويض الإلهي في مباشرة السلطة، إلى أن انتهى الأمر بالبشرية إلى شرعية الديمقراطية المنقوصة على الطريقة الإغريقية، ثم جاء الإسلام ونقلنا إلى شرعية الشورى المقيدة بضوابط النص الشرعي ،التي سرعان ما تم الالتفاف عليها بعد حكم الراشدين رضوان الله عليهم، لتحل محلها شرعية الغلبة والتغلب التبريرية، ثم بعد ذلك شهد الغرب في عصر الأنوار نظريات العقد الاجتماعي كأساس لمشروعية الحكم ،وهذه المشروعيات السياسية للحكم اكتنفتها خلال تاريخها الطويل تداخلات وتعرجات كثيرة ،إلى أن نضج الإنسان وبلغ بالعلم والتجريب مبلغاً أسس لفسلفة النظم الديمقراطية الحديثة التي تقوم على حفظ توازنات القوة، والتلاقي عند القواسم المشتركة التي يتقاطع عندها الجميع،وتتجسد هذه القواسم في مبادئ من مثل :أن الإنسان ولد حراً ويجب أن يبقى حراً، وأن الوطن القومي هو أب الجميع، وأن الحكم يجب ألا يكون إلا عن تراضٍ يعبر عنه العقد الاجتماعي الذي يرعى مصالح كل الشعب، وما إلي ذلك من قيم العدالة وصيانة الحقوق ، وأصبح من المتفق عليه بين كل الباحثين في علم القانون وشؤون الحكم أنه إذا غابت هذه الغايات، وتوارت هذه الأهداف، فإنه لن يبقى من فلسفة الديمقراطية إلا الهياكل النخرة، والمؤسسات الزائفة التي لاتخدم سوى قضايا الأتوقراطية وأهداف النخبة الحاكمة.
أصوغ هذه التوطئة وأنا أشفق على أهل الحكم في السودان أن يتهددوا فلسفة ومبادئ الدستور الانتقالي لسنة 2005م،بعد رحيل أهل الجنوب، خاصةً المبادئ التي نصت عليها المادة (4) من الدستور المذكور،وكذلك وثيقة الحقوق التي تضمنها الباب الأول منه في المواد من (27) إلى (48) ،وهذه الوثيقة في اعتقادي هي درة الدستور الانتقالي وتاج رأسه النظري، لكن لمعانها وتجليها لا يكون إلا بإنزال نصوص الدستور إلى الواقع العملي، فإذا كان أغلب المحللون السياسيون ظلوا يعتقدون أن الواقع السياسي جعل من الحركة الشعبية الضامن الأساسي للحفاظ على وثيقة الحقوق السابق ذكرها ، ومع ذلك حصلت فيها تجاوزات كثيرة ، فإن خروج الحركة الشعبية من جوقة السياسة القومية للبلاد ، سيجعل الوثيقة المذكورة، بل نصوص الدستور جميعها في خطر في ظل واقع الأغلبية الميكانيكية لبرلمان ما بعد الاستفتاء، بل يجعلها عرضة لأن تقع بشأنها تجاوزات،أو حتى تعديلات، وهذا الفرض النظري احتمال وقوعه كبير، في غياب توازنات القوة المؤكد حدوثه في الحكومة والبرلمان برحيل الحركة جنوباً بعد الانفصال، وفي ذلك من الآثار السلبية على سير العمل في دولاب الدولة ما لا يخفى ، في ظل عدم وجود معارضة فاعلة داخل البرلمان، ورحم الله شيخنا الدكتور عبد الله العجلان ، فقد كنت كثيراً ما أسمعه يقول : إن أبا داود وابن حزم الأندلسي على الرغم من ظاهريتهما الخشنة إلا أنهما خدما قضية الشريعة والإسلام، فقد كانا عليهما رحمة الله بمثابة الكابح الذي منع عربة أهل الرأي والقياس من الانزلاق والغلو والتطرف في الارتكان للرأي، ومن هنا نقول: إن وجود المعارضة الفاعلة هو في الحقيقة ضرورة شرعية إسلامية قبل أن يكون ضرورة وضعية خلصت إليها البشرية بتجاربها وخبرتها الطويلة ، ودوننا في ذلك القول المأثور (والله لو رأينا فيك إعوجاجاً لقومناك بحد سيوفنا)،وهكذا يكون عمل المعارضة الجيدة ، أن تُقَوِّم ما أعوجَّ والتوى، وأن تُصَوِّب من تجاوز المدى وتورط في الخطأ المؤثر على مصالح العباد.
فإذا أخذنا كل هذا الذي ذكرناه في الحسبان ،فإن تطبيق المادة (226/10) من الدستور - والتي نصت على أنه (إذا جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير لصالح الانفصال فإن أبواب وفصول ومواد وفقرات وجداول هذا الدستور التي تنص على مؤسسات جنوب السودان وتمثيله وحقوقه والتزاماته تعتبر ملغاة) - يؤدي إلى وضعٍ دستوريٍ شاذ، فيما يتعلق بفاعلية توازنات القوى في البرلمان، فحزب المؤتمر الوطني الحاكم سيكون بوقوع الانفصال صاحب أغلبية في الهيئة التشريعية ليست آلية فحسب ،وإنما (سوبر أغلبية) تمكنه من الوفاء بمتطلبات المادة (224/1) من الدستور التي اشترطت لتعديل الدستور موافقة ثلاثة أرباع جميع الأعضاء لكلا مجلسي الهيئة التشريعية (المجلس الوطني ومجلس الولايات)، ومن ثم تستطيع الهيئة التشريعية - من الناحية النظرية على الأقل - تعديل كافة نصوص الدستور بما في ذلك تغيير المبادئ والتغول على وثيقة حقوق الإنسان (إن أرادت ذلك)، وفي نظري أن مثل هذا الوضع يعتبر شاذاً، ذلك أن توازنات القوى في المجلسين التي على أساسها قامت تلك الأدوات الميكانيكية اللازمة لتعديل الدستور تكون كفتها قد رجحت لمصلحة المؤتمر الوطني من غير أن يحصل على ذلك بتنافس انتخابي، ولا يجوز أن نفترض في هذا الصدد أن المقاعد الشاغرة في الهيئة التشريعية( برحيل الحركة الشعبية) يمكن أن تملأ بنوابٍ جدد وانتخابات جديدة، فتلك فرضية تجافي الواقع ومنطق الأشياء، فالدستور وقانون الانتخابات جعلا لكل ولاية ممثلين اثنين في مجلس الولايات، وبذهاب الجنوب سيذهب عشرون نائباً يمثلون الولايات الجنوبية العشر، فمن أين لنا بولاياتٍ عشرٍ جديدات ننتخب نواباً عنها للتمثيل في مجلس الولايات، وقل مثل ذلك بشأن المجلس الوطني الذي تم تحديد الدوائر الجغرافية لانتخاب عضويته على أساس التناسب السكاني الذي لا شك سنفقد منه ما يقارب الثمانية ملايين بذهاب الجنوب، فضلاً عن أنه لا يصح تضخيم عدد عضوية المجلس الوطني لجمهورية السودان (الشمالية) بعد ذهاب الجنوب بانتخاب نواب جدد، وتحميل الميزانية مزيداً من الانفاق،في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور أصلا، وبفرضية اننا رغبنا في هذا التضخيم فأين هي الدوائر التي يمكن إجراء انتخابات فيها في الشمال لإكمال العدد اللازم لحفظ توزانات الهيئة التشريعية وإعطاء مفهوم الأغلبية النيابية فيها صبغته الشرعية؟ لذلك فإنه على الرغم من أن الدستور الانتقالي وضع تحوطات فرضية في المادة (69) (للدوشة) الدستورية التي قد يخلفها الانفصال، فإن حالة الارتباك الدستورية تبقى برحيل الجنوب قائمة في البلاد ، ذلك أن عمومية نص المادة( 226/1) من الدستور التي أوجبت إلغاء (في حالة الانفصال) كل فصول الدستور والمؤسسات ذات العلاقة بالجنوب، لم تتحسب لا هي ولا بقية نصوص الدستور الأخرى لمعالجة العطب الدستوري الذي سيصيب الهيئة التشريعية برحيل الجنوب، وبما أن النظام الرئاسي يقوم في الأصل على ثلاثة أعمدة ( برلمان/ سلطة تنفيذية/ قضاء مستقل) ولا تتماهي فيه الحكومة مع البرلمان على النحو الذي عهدناه في النظام البرلماني، فإن الخلل في إحدى العمد المذكورة ? وهو في حالتنا هذه الهيئة التشريعية- حتماً سيؤثر على بقية المنظومة، ويفتح الباب أمام جدل دستوري قد تعجز حتى المحكمة الدستورية بأدواتها المتواضعة عن حسمه بصورة تنال احترام وتقدير الجميع،هذا إذا علمنا أن المحكمة الدستورية نفسها ستصاب بشللٍ تام حال كون أن نص المادة (226/10) من الدستور يلغي عضوية الجنوبيين فيها ضرورةً ويلزمهم بالرحيل جنوباً، ولا سبيل لإصلاح هذا الخلل والنقص في عضوية المحكمة الدستورية في ظل الوضع الدستوري المترتب عن ما بعد الانفصال ،ذلك أن المادة 121 من الدستور نصت في فقرتها الأولى على أن تعيين قضاة المحكمة الدستورية يتم بناءً على توصية من المفوضية القومية للخدمات القضائية بموافقة ثلثي جميع الممثلين لمجلس الولايات ،ونصت في فقرتها الثانية على أن يمثل الجنوب تمثيلاً كافياً في المحكمة الدستورية، وجاءت المادة (4) من قانون المحكمة الدستورية لسنة 2005م مؤكدةً لذلك فنصت في فقرتها (أ)على أن : تتكون المحكمة الدستورية من تسعة أعضاء يعينهم رئيس الجمهورية بناءً على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية وموافقة ثلثي جميع الممثلين في مجلس الولايات،فإذا علمنا أن المفوضية القومية نفسها ستتأثر سلبياً برحيل أهل الجنوب ، وإذا علمنا أن عبارة (ثلثي جميع الممثلين في مجلس الولايات) ذهبت نية المشرع فيها إلى أنها تعني ولايات السودان الموحد وعددها خمسة وعشرون ولاية، فإننا نكون أمام استحالة قانونية ودستورية فيما يتعلق باستكمال ما نقص من عضوية المحكمة الدستورية التي ينبغي أن ترعى الدستور وتقوم على أمر حفظه وصيانته. ولا يغير من حال هذا الوضع الشاذ ،أن النظام الرئاسي يخول رئيس الجمهورية الحق في تعديل وزارته وتشكيلها على النحو الذي يراه مناسباً كما يحاول البعض أن يهوِّن من الأمور، وخلاصة الموضوع أننا سنكون أمام علاقة جدلية بين تعديل القوانين اللازمة لإصلاح أو إكمال الأجهزة الدستورية للدولة من هيئات تشريعية ومفوضيات ومحاكم، وبين الآلية التي تعدل تلك القوانين وتجيزها (فأيهما الأول البيضة أم الدجاجة)،وسنكون أمام تناقض غريب في نوعه ، فتعديل القوانين يحتاج إلى برلمان يفترض أن الآلية الميكانيكية فيه توفرت بعد منافسة انتخابية حرة،وبرحيل أهل الجنوب فإن مثل هذه الآلية تنعدم تماماً حال كون من يتبقى من نواب الشمال يمثلون جزءًاً من مؤسسة البرلمان المنتخب وليست كل البرلمان فإذا ذهب بعضه فإنه بذلك يفقد وحدته التنافسية التي أعطته الشرعية في السابق،وفي ذات الوقت فإن إصلاح هذه الآلية وتوفيرها يحتاج هو الآخر إلى تعديل القوانين نفسها، ومعضلة هذه العلاقة الجدلية لن تحل في نظري إلا بتسوية سياسية تجنب البلاد مزيداً من التمزق والاختلاف، فإذا أبينا على أنفسنا ذلك، فلا بديل أمامنا سوى الإقصاء والرجوع بالبلاد القهقرى إلى المرسوم الدستوري (رقم واحد)، ولا أعتقد أن سياسياً عاقلاً عجمت عوده الأيام ، وصقلته التجارب وامتحنته صروف الظروف المحلية والإقليمية والدولية ، يمكن أن يخاطر بالإلقاء بنفسه في هذه الهلكة، ومن ثم فإن المؤتمر القومي الدستوري الجامع يبقى في نظري هو الطريق الآمن لبناء النظام الدستوري للبلاد وتجنيبها خطر الانزلاق في مزيدٍ من المآسي والأحزان، خاصةً وأن الحالة الاقتصادية لا تتحمل عراك ثيران جديد، في ظل الأوضاع المعيشية السيئة التي يكابد عنتها ومشاقها المواطن الغلبان، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

آخر العلاج الكي - مكرهٌ أخاك لا بطل..

صفعتنا القنوات الفضائية في هذه الأيام بأحاديث تجافي الواقع، وتلتف على الحقائق ، وفي غير ما استحياء تجرؤ على تزييف تاريخ لا زال شهوده في ريعان الشباب، والجامع المشترك بين ما (فلقتنا) به أحاديث الأثير هذه أنها كلها تسعى جاهدة لإثبات فضيلة الشجاعة للحزب الحاكم الذي أوصلنا إلى شاطئ الأحزان بتمزيق وحدة البلاد على هذا النحو الذي نراه الآن، وهو مع ذلك في نظر البعض منا قد بزَّ إمام العادلين أبا تراب (كرم الله وجهه) في فضيلة الشجاعة والعدل والصدع بالحق، وما أدخر لبلوغ هذه الغايات وسعاً في الاعتراف بحقوق الآخر، حتى ولو كان هذا الاعتراف هو تقرير المصير.
إننا نتفق مع من قال: إن سؤال الجنوب قد ظلَّ معلقاً بلا إجابة منذ الاستقلال، وأن فعاليات سياسية كثيرة تهربت منه، إلى درجة أنها رمت من حاول الإجابة عليه بالخيانة وكسر الصفوف، ويقف شاهداً على صحة هذا القول ما تعرض له العميد يوسف بدري، وستانسلاوس عبد الله بياسما،ومحمود محمد طه مع مطلع الاستقلال من تخوين، حتى بلغ الأمر أن نسبت آراؤهم حول قضية الجنوب إلى الإمبريالية، وقيل عنها عهدذاك: إنها دسٌ من عمل المستعمرين، وهؤلاء تحدثوا حين كان للحديث ثمن، وصدعوا بآرائهم الغريبة وهم عُزَّل من السلاح، إلا سلاح المبادئ، وكانوا غرباء في قومهم بهذا الصنيع كغربة صالح في ثمود، فقدا اجتمعت كلمتهم جميعاً على الفدرالية التي كانت مطلب أهل الجنوب ،وتواصوا كلهم على مقولة ( إن كنتم تريدون للسودان فلاحاً فخذوا الذي لكم وأعطوا الذي عليكم)، ولم يناوروا أو يستدبروا أهلهم بليل - على رأي الدكتور منصور خالد - ،في وقتٍ كان للحديث بهذا «التابو» أثماناً غالية، أدناها تهمة مواطأة الأجنبي.
والحقيقة التي لا معدى عنها لأي باحث منصف وموضوعي، أن مشكلة الجنوب تسببت فيها عوامل متداخلة ومتشابكة، بعضها أجنبي، وكثيرٌ منها محلي، فالمستعمر فعلاً همَّش الجنوب، ولم يهتم به، ولم يأبه للارتقاء بإنسانه، وكان لسياسة قانون المناطق المقفولة تأثيراً سالباً على وضعية العلاقة بين الشمال والجنوب، ووقف الاندياح والتمازج والانصهار الطبيعي، الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى تبلور الهوية السودانية، في صورةٍ تعكس حقيقتها وطبيعتها بلا تعنت ولا تخاشن، ثم بعد ذلك جاءت سياسات الحكومات الوطنية، ديمقراطية كانت، أو شمولية، لتحاول السباحة عكس سير التاريخ، وضد تيار حلول التراضي، ففشلت جميعها في حل قضية الجنوب، بإستثناء الحل الجزئي الذي انتجته (مايو) باستلافها لمقررات المائدة المستديرة، فأوجدت لنا استقراراً نسبياً ما كان له أن يدوم في ظل هيمنة الحزب الواحد، أو قل في ظل الديكاتورية، مختزلةً في شخص الرئيس نميري عليه الرحمة، ذلك أن منطق الأشياء يقول: بأن من لا يتنفس الحرية لا يمكن أن يوفرها لغيره ليبلغ بها غاياته وطموحاته في حكم نفسه وإقليمه، وهكذا تداعت بنا أحاديث خُلف الوعود،ونقض العهود منذ الاستقلال، مروراً بأديس أبابا وكوكادام، إلى أن بلغت بنا في 1988 اتفاقية السلام السودانية (الميرغني/قرنق) التي اتخذ رئيس الوزارء ( الصادق المهدي ) منها في البدء موقفاً سلبياً ، لكنه قبل بها بعد أن تم امتحانها عبر القنوات الديمقراطية الحرة في كل الأحزاب السياسية السودانية، وصادق عليها البرلمان (الجمعية التأسيسية) ،وأجمعت عليها كل القوى السياسية حتى تلك التي لا نواب لها في البرلمان،بإستثناء الجبهة الإسلامية ، فقد غردت وحدها خارج سرب السلام، وبررت ذلك بأن الاتفاقية هي تنفيذ لمؤامرة القائد العام ضدها، وشاهدنا وشاهد الشعب السوداني (ثورة المصاحف) التي خرجت لوقف اتفاقية السلام السودانية التي لم يرد فيها ذكرٌ لتقرير المصير،وحين رأت الجبهة الإسلامية أن المؤتمر القومي الدستوري، الذي وضع من بين بنود (اتفاقية السلام السودانية )، قد أصبح قاب قوسين من الانعقاد ( في سبتمبر من العام 1989) ، استنفرت عضويتها في الجيش السوداني لقطع الطريق على هذا المؤتمر، فكان انقلابها في يونيو 1989، وجاء في بيان الانقلاب (واليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة،وهم الذين أدوا قسم الجندية الشريفة أن لا يفرطوا في شبرٍ من أرض الوطن ،وأن يصونوا عزته وكرامته ،وأن يحافظوا على البلاد، سكانها، واستقلالها المجيد) ، ومن بعد التمكن من رقبة السلطة شهدنا كيف بدَّل الانقلاب وغيّر من طبيعة الصراع بين الجنوب والشمال، وكيف أنه التف على المطالب السياسية للحركة الشعبية ليحيل النزاع إلى تماهيات لا تعبر عن طبيعته ولا عن واقعه، وانتهى بنا الأمر إلى حرب جهادية دينية سقط بسببها أرتال من الضحايا الذين نحسبهم عند الله من الصديقين والشهداء ( ولكل إمرءٍ ما نوى، أو كما قال نبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم )،هذا المنهج الذي أحال الحرب إلى حرب دينية نتج عنه استقطاب أفرز لنا في عام 1990م تياراً انفصالياً في الحركة الشعبية ( مجموعة الناصر) كانت له تأثيراته السالبة على التيار الوحدوي ، ولتلافي هذه التأثيرات السالبة بادر الدكتور جون قرنق نفسه في عام 1992م إلى تبني خيار الانفصال ووضعه خياراً موازياً أو رديفاً لخيار الوحدة، ومن باب التكتيكات السياسية واتباعاً لسياسة (فرق تسد) أضطرت حكومة الإنقاذ إلى المناورة مع جناح الناصر بتقرير المصير وكان ذلك في فرانكفورت في العام 1992م،وشهد التاريخ من هذه المناورة ولادة اتفاقية الخرطوم للسلام التي لم تجد الحكومة (شجاعةً) لتنفيذ بنودها،فضلاً عن أن الظروف المحلية والدولية ما كانت تسمح بتنفيذها إلى نهاياتها المتفق عليها،وهذا ما كان يعلمه طرفاها المناوران بالسلام حين التوقيع عليها، فانهارت الاتفاقية وشهدنا جميعاً نهايتها، وتفرق الموقعون عليها أيدي سبأ، منهم من عاد إلى الحركة مرةً أخرى ، ومنهم من استهوته السلطة فآثر البقاء والاستمرار مع( الإنقاذ)، ثم بعد ذلك شهدنا تعثرات إيقاد ، فعلى الرغم من أن حكومة الإنقاذ هي التي طلبت تدخل دول إيقاد إلا أنها رمتها بالإنحياز، وظلت ترفض المبادئ المنبثقة عنها، إلى أن قبلت بها تحت ضغط المجتمع الدولي في 1997م،ثم بعد ذلك تداعت بنا الأحداث فأوصلتنا إلى إطار ميشاكوس، الذي أفضى بنا إلى اتفاقية نيفاشا، التي يعلم القاصي والداني أنها لم تكن صناعة سودانية، ويعلم الأمي قبل المتعلم ،أن الحكومة وقعَّت عليها مكرهةً بعد أن ضغط عليها المجتمع الدولي وغلبت على أمرها في حرب الاستنزاف المملة ، وكلنا نعلم حقيقة أن الحكومة لم تتسلم مدينة ( الكرمك) من الحركة الشعبية إلا بموجب اتفاقية نيفاشا، فهل يا ترى مع وجود هذه الوقائع التاريخية -التي كما ذكرنا أن شهودها لا زالوا في ريعان الشباب- هل يصح مع ذلك القول بأن حكومة المؤتمر الوطني كانت شجاعة في مواجهة تقرير المصير؟ وهل يجوز القول بأنها أجابت - بعد مذاكرة دروسها - على سؤال أزمة الجنوب وتقرير المصير؟وإذا جاءت الإجابة على هذه الأسئلة بالإيجاب، ألا تنفتح أمام عقولنا أسئلة أخرى، من مثل ، لماذا إذن قاتلنا أهل الجنوب منذ العام 1989م إلى العام 2005م ،أَوَ لمَ تكن الشجاعة توجب منحهم حق تقرير مصيرهم فور الانقلاب وتجنيبنا وتجنيبهم شرور الاقتتال، أم أن حالنا في تلك الأيام الخوالي - كما تقول العرب- كانت كحال نعامةٍ ربداء تجفل من صفير الصافر؟
الحق ، الحق ، أن الرجل الذي يُحمل على مراعفه لمقارفة سلوكٍ ما ،أو عملٍ ما، لا يمكن أن يوصف (بالشجاع)، ولا يجوز توشيحه بنياشين البطولة،فإذا كانت الشجاعة حاضرة، كما يزعم البعض منا ويدعي، فلماذا كان التنصل عن اتفاقية الخرطوم للسلام ( جناح الناصر)، والتنكر لكل ما جاء فيها، ولو كانت الشجاعة حاضرةً كما يقولون فلماذا (الفرجة )الآن على قضية دارفور ،وها نحن نرى نارها تستعر ،وخيوطها تتعقد مع إطلالة كل يوم جديد،وإذا كانت الشجاعة حاضرةً ،كما نفاخر ،فلماذا هذا الموقف من مسألة الحكومة القومية والدعوة إلى مؤتمر قومي دستوري يأمل الجميع أن يناقش فيه كل أدواء سودان الشمال ليتواضع لها فيه على حلول؟
إن الشجاعة المحمودة أحبتي توجب أول ما توجب الزهد في السلطة لأجل كفكفة دموع الوطن ، وتوجب أول ما توجب بسط الحرية والديمقراطية للجميع تأسياً بقول عمر رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، وتوجب أول ما توجب أن تكون الغيرة للتراب ووحدته، وللوطن ورفعته ،لا للمصالح والأهواء، ولن ينقطع ذلك ويستأصل من بلادنا إلا بإقامة دولة المواطنة والمؤسسات والرعاية، التي يجد فيها المواطن تطلعاته ويستشعر الانتماء إليها لا النفور منها على النحو الذي جعل أهل الجنوب ينفرون، وهذا أبداً لا يكون إلا بقرارات الشجعان الذين يواجهون النفس بالنقد قبل مواجهة الآخر، ويلجمون هواها قبل أن يلجمها هادم اللذات ، وطالما أن النفس البشرية مجبولة فطرة ً على الهوى وعلى التورط في الخطأ فإنه لا صلاح إلا بالتواضع على المؤسسات التي تجعل توازنات القوى حاضرة بيننا ، لتحاسب وتلجم من يفوت الحدود أو يجاوز المدى ، وتجارب البشرية جميعها تشهد بأنه لا سبيل لبلوغ ذلك إلا بمزيدٍ من الحرية والديمقراطية وبناء المؤسسات الكفيلة بحفظ توازنات القوى بين كيانات المجتمع.
الحقيقة أن الذي أطلق وصف الشجاعة على من (أُكرِهُوا) على منح تقرير المصير، هو باقان أموم، وهو في وجهة نظري لم يكن صادقاً فيما أطلقه من وصفٍ لحال المؤتمر، وإنما كان وصفه هذا من باب الذم المغلف بالمدح لأغراض سياسية، وتكتيكاتٍ أراد أن يصل بها إلى مبتغاه في الانفصال، ولكن بعضاً من قياداتنا في المؤتمر الوطني وجدت من ذلك تبريراً تلطف به من الإنقسام النفسي الذي أصابها،ليصكوا لنا بذلك مصطلحاً سياسياً جديداً اسمه ( آخر العلاج الكي)، بدأت النخبة الحاكمة تتداوله لتداري به على الفشل الذي تورطت فيه، فبالله عليك ماذا تقول فيمن يصنع أدواء نفسه بنفسه، ثم يكويها بالنار بحثاً عن العلاج؟، ولو كان الذين يقارفون مثل هذا الفعل شجعاناً كما يقولون ، أما يصح لنا أن نسألهم .. ما دمتم تؤمنون بحق الشعوب في تقرير مصيرها ، وما دامت الشجاعة هي ديدنكم في تعاور السياسة، فلماذا تلكأتم في قانون الاستفتاء ثلاث سنوات بكاملها ، ولماذا تأخرتم بتكوين مفوضية الاستفتاء عامين كاملين عن الأجل المضروب اتفاقاً ودستوراً لتكوينها؟ وهل يا ترى إذا طلب الدارفوريون حق تقرير المصير ستبادرون إلى قبول طلبهم إكمالاً لخلة الشجاعة التي انفردتم بها من بين كل القوى السياسية السودانية؟.

طبائع الاستبداد ومصرع البلاد


في كتابه «طبائع الاستبداد» شخص الكواكبي عليه رحمة الله داء الاستبداد السياسي ووصف لنا أقبح أنواعه، استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل، ولفت نظرنا إلى أن المستبد فردٌ عاجز لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور، أو كما قال، ونبهنا إلى أن الاستبداد أصلٌ لكل فساد، وأن دواؤه لا يكون إلا بالشورى الدستورية، ولم يقف بنا عليه رحمة الله فقط في القمة، بل تدرج منحدراً بنا إلى أصول الاستبداد في أدنى مراتبه، فقال لنا «الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرا ، إلى كناس الشوارع، ولا يكون كل صنفٍ إلا من أسفل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، وإنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍ كانت، ولو بشر أم خنازير، آباؤهم أم أعداؤهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه، فيشاركهم ويشاركونه، وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيدٍ من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً»، أو كما قال، فهذه على رأي الكواكبي يرحمه الله بعضٌ من صفات المستبد والدولة المستبدة.
وكم كنا نأمل أن يأتي استبداد قيادتنا السياسية شمالاً وجنوباً على نحو الاستبداد الإيجابي الذي عناه أمير العاشقين عمر ابن أبي ربيعة حين قال:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ٭٭ وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرةً واحدةً ٭٭ إنما العاجز من لا يستبد
أي من لا يحزم أمره وينفذ وعده بلا تردد، أو أن يكون على الأقل من جنس الاستبداد العادل أو «المستبد العادل» الذي عناه الإمام محمد عبده في تخريجاته ليوتوبيا أفلاطون والفارابي ومدنهما الفاضلة وتطلعهما إلى أن يكون الحاكم فيلسوفاً عادلاً مطلق التصرف، لكنه يعرف أسرار الحكمة ويجيد وزن الأمور ووضعها في نصابها، كنا نمني النفس بذلك، مع أن الحقيقة التي لا معدى عنها، أنه لا حكمة مع استبداد، ولا عدل مع طغيان، مهما تعاظمت بنا الأحلام واستبدت بنا الأماني العِذاب.
إن بلاد السودان وأهل السودان حصدوا ثمرة الاستبداد والانفراد بالرأي والسلطة شمالاً وجنوباً، حصدوا ثمرة ذلك حصرماً لم يقووا على ازدراده، وتعبوا وتعبت عيرهم حتى أنها ما عادت تقوى على تحمل مزيدٍ من العبث بإرادتهم، فها هي الحركة الشعبية ما عادت تحفل لخيار الناخب الجنوبي، ولا تقيم وزناً للعهد الذي قطعته على نفسها بالتزام الحياد في ما يخص قضية الوحدة والانفصال، فقد طالعتنا صحيفة «الصحافة» بتصرحيات السيدة آن إيتو نائبة أمين عام الحركة الشعبية ودعمها علناً للانفصال، وتبريرها لذلك بقولها «لأنه لم يتم العمل على جعل خيار وحدة البلاد جذاباً فإننا ندعم خيار الشعب، لأننا نتابع إرادة الشعب». واردفت القول: «إن كانت لديكم آذان تصغى فإنكم تعرفون أن أكثر من 90% من الأهالي أعلنوا خيارهم، وأن الوحدة ليست قابلة للتحقيق، خصوصاً مع إدارك الحركة الشعبية أنه لم يتم العمل على جعلها جذابة من قبل الحكومة السودانية». وتناست السيدة إيتو بذلك، أنها في نشوة الانفراد بالرأي ومقارفة الاستبداد الذي تدير نشوته الروؤس، تناست أنها بذلك قد نقضت عهداً وقعته يداها، التزمت فيه بألا تدعو بوصفها الرسمي لا للوحدة ولا للانفصال، بل يقع على عاتقها ــ وفق نيفاشا ــ أن تعمل من موقعها الرسمي على توفير كل ما يجعل الوحدة جاذبة، ولتعلم السيدة إيتو أنه إن كان الجنوبيون في الماضي قد شكوا كثيراً من نقض العهود، فها هي تقارف ذات الفعل المسترذل، وفي عقيدتي أنه ما حفزها إلى هذه الدعوة إلا انفراد تنظيمها بأمر الجنوب عسفاً واستبداداً، فالحاكم المطلق عادةً ما يورد أهله سبيل التهلكة عندما تدير رأسه نشوة التسلط والاستبداد، فلا يُري الشعب إلا ما يرى، فبتأثير هذه النشوة استبقت السيدة إيتو الاستفتاء وقررت أن إرادة شعب الجنوب مع الانفصال، ونسيت أيضاً في ظل نشوة الاستبداد بالرأي أن تنظيمها صاحب نصيب مقدر في الحكومة التي حملتها مسؤولية الاخفاق في ما يخص جاذبية الوحدة، وهذا أمرٌ كان الأجدر أن تعلن معه فشلها في ما التزمت به من العمل على توفير شرائط الوحدة، ولو كان الأمر أمر ديمقراطية تحترم إرادة أهل الجنوب كما تزعم لبادرت بالاعتذار عن هذا الفشل، مع التعبير عن الأسف عملياً بالاستقالة.
إن دعوة السيدة آن إيتو للانفصال على هذا النحو الذي تنقصه الكياسة، يبرر لطرف الاستبداد الآخر «المؤتمر الوطني» التحلل من نيفاشا وبروتكولاتها التي ما حصدنا منها إلا تعلية شأن أصحاب البنادق الطويلة، الذين تأذت البلاد في عرضها وطولها من انفرادهم بمصير وطنٍ أكرهوه حد الاستغاثة على التشظي والتمزق، وزعموا في غير ما استحياء أنهم يمثلون إرادة أهله الحرة، في تزويرٍ للحقيقة لا ينطلي حتى على عقول الأطفال، فالمؤتمر الوطني في عهده الأول وفي سبيل التمكن والتفرد بأمر البلاد رمى بنا في أتون حربٍ لعينة، وقدم الروح فدىً لحفظ وحدة البلاد وما درى أنه كان مخدوعا، إلى أن تجلى الأمر في ضحى الغد فأحبطنا إحباطاً هزم لدينا الإرادة، وقتل فينا جميعاً دواعي الفعل والإنجاز، حتى أن القيادة التي كنا نؤمل أن تحافظ على تماسكها رأيناها قد رفعت أياديها معلنةً حالة الاستسلام، فكم حزَّ في نفس كل الشعب السوداني أن يقف رئيس الجمهورية مناشداً بالتسليم لما سمَّاه بالأمر الواقع ولسان حاله يقول:
وهيهات أن يأتي من الدهر فائتٌ ٭٭ فدع عنك هذا الأمر فقد قضي الأمر
وإنني والحق أقول لم استطع مثل كثيرين غيري بلع هذه المناشدة التي كان ينبغي لشرط صحتها أن يكون توقيتها يوم الجمعة 30 يونيو من عام الرماد، هذا إن كان لا بد منها لبسط السلام، فكنا على الأقل وفرنا على أنفسنا أرواحاً ووقتاً وأموالاً، لكن عين الخيال عند سياسيينا دوماً بها رمد، ولا يدركون أن النار من خواصها الإحراق إلا إذا وطئتها منهم الأقدام، لذا قاتلنا أخوتنا وهم قاتلونا بلا طائل، وبسبب عمى البصيرة لا ظفرنا بالوحدة ولا حققنا السلام، وما أزمة أبيي وأمر الحدود والأمور العالقات عن ذلك ببعيدة، فجنوبنا جرى ترشيحه في كافة التحليلات الموضوعية الجادة أن يكون بؤرة للتفلت الأمني، ويدلك على ذلك أن حدود مديرياته ذات القبائل المتداخلة لم يجر حتى الآن ترسيمها إدراياً، وإرادة قيادته من الحركة الشعبية لم تتوافق إلا على أمرٍ واحد، هو أمر الانفصال، لكن باقي المشكلات المرشح أن يعاني منها مواطن الجنوب ظلت كلها عالقة، جوعٌ وفقرٌ ومرض وغير ذلك من المصائب، وقل مثل ذلك عن شمالٍ دارفوره ملتهبة، واقتصاده متأزم، وسوقه غلاؤها يطحن الشعب، حتى أنه ما ترك سبيلاً لهم إلى إدراك البلغة أو الظفر بكسرة الخبز المعالج بالبدر والسموم، ومع ذلك نتشاغل عن مثل هذا التأزم بوعودٍ خلَّب وآمانٍ غافلات.
لكنه هكذا يفعل الاستبداد، فهو كما قال عنه الكواكبي يرحمه الله إنه أصلٌ لكل فساد، وهل من فسادٍ أكبر وأعظم من أن تتمزق بلادٌ ورثناها موحدة، وهل من العدل والعقل أن نضارب بالوحدة ومع ذلك لا نظفر بالسلام، إنه فعلاً منطق المغامرين لا منطق الساسة والسياسة التي يفترض فيها وضع الخطط والاستراتيجات، ولكني لا أظن أن من يدمن خداع الجماهير يمكن أن يعبا لذلك، فالحركة الشعبية لعبت بإرادة أهل السودان جميعاً حينما عاهدتهم على أمرٍ جلل، جعل أبناء جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، بل والمهمشين كافة، يحملون أرواحهم بين أكفهم ويقدمونها قرباناً لوحدة السودان، ومثل هذا العهد أيضاً قطعه المؤتمر الوطني على نفسه تحت شعار دولة الإسلام، وما حصدنا من ذلك إلا الوعود البارقات، ومع ذلك لا يستحي من يسمون «الشريكان» من «الكنكشة» في السلطة إلى آخر رمق، لكنها كما قلت سابقاً، إنها هكذا طبيعة الاستبداد وسجيته، لا تغيره الأزمان، ولا تؤثر فيه الحادثات إلا اقتلاعاً من الجذور، إنه طبعاً «الاستبداد» لا يعرف الحياء من سوء ما انتج من كوارث، وسجيةً لا يجيد سوى التبرير لتصرفاته السياسية في سبيل ديمومة ملكه وسلطانه، حتى ولو كان في ذلك الهلاك والإهلاك، والتمزق والشتات، وقديماً قال لابواسييه مخاطباً جمهور المقهورين من شعب بلاده التي عشعش فيها الاستبداد وأباض وأفرخ على نحو ما نحن فيه الآن، قال لهم: «كل هذا الخراب، وهذا البؤس، وهذا الدمار يأتيكم لا على يد أعدائكم، بل يأتيكم على يدو العدو الذي صنعتم أنتم كبره، والذي تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله، ولا تنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم في سبيل مجده، هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى، ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، ولا يملك شيئاً فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم التي لا يحصرها العد، إلا ما اسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم، فأين له بالعيون التي يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي يصفعكم بها إن لم يستمدها منكم؟، وأنى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ وكيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ وأية قدرة له عليكم إن لم تكونوا حماة للص الذي ينهبكم، شركاء للقاتل الذي يصرعكم، خونة لأنفسكم»، وهذا للأسف ما كان من أمر أهل السودان شمالاً وجنوباً، كلهم قاتلوا باسم الوحدة ــ سواءً كانت إسلامية أو علمانية ــ وهم لا يدرون أنهم إنما بهذا القتال قد علوا من شأن الاستبداد، وخانوا أنفسهم بتمزيق أرض الأجداد، فهل يا ترى ندرك في الزمن بدل الضائع أن بلوغ السلام والأمن والاستقرار يقتضي كبح جماح الحكم المطلق جنوباً وشمالاً، ويوجب النضال ــ ولو بالثورة والانتفاض ــ من أجل إشراك الجميع في كل ما يخص مصير البلاد؟ أم أن على قلوبنا أقفالها؟
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

ولتسقط برلين

تبسيط الأمور، وتعبيط البشر، وتهوين الكوارث، هي في الحقيقة مسائل تحتاجُ إلى مهاراتٍ خارقة، و إبداعٍ بريع، يصنع من الفشل نجاحاً، ومن الإخفاق عبقرية، ومن الفسيخ شربات، ومثل هذه المهارات الخارقة هي في الحقيقة نعمةٌ يُلَطِّف الله بها علينا المصائب، وتُلهمنا السلوى بدلاً عن ركوب الأحزان والسفر برفقةِ اليأس والإحباط، ولكنها من الجانب الآخر تذكرني، بقول الدكتور زكي مبارك بصدد نقده للتصوف «إنه وصفة شعبية لعلاجِ اكتئابٍ اجتماعي»، وما أكثر الوصفات والتعويذات السياسية «الشعبية» التي تزيد الأمر ضِغثاً على إبالة في هذا الزمان الأغبر، وهي في حقيقة أمرها هروبٌ من النفس، وجفول من المسؤولية والمُساءلة، بل تنطوي على قدرٍ كبير من تهوين الآخر وعدم تقديره، فكيف بنا إن كان هذا الآخر شعب أنجب الإمام المهدي و ود تورشين والنجومي، ومن رحمه ولدت ثورة «أربعة وعشرين» بعبد اللطيف وماظِ، وفي كنفه نهض رجال في قامة السادة عبد الرحمن المهدي والأزهري والمحجوب، وكوكبة مؤتمر الخريجين الذين ناضلوا من أجل الاستقلال، ومن أجل بناء السودان الواحد الموحد، شعب فجَّر اكتوبر وهزم الليل في أبريل، ومع ذلك أبى الزمان إلا أن يمتحنه بعادياتٍ تُذيب الحديد، وهل من بلاءٍ أكبر من أن يرى بلاده ه تتمزق شلواً إثر شلو، وتنقص من أطرافها مع إطلالة كل يوم جديد.
شعب هذه هي سجاياه، وهذه هي فطرته، وهذه هي طباعه التي نعرف، ومع ذلك تبلغ الاستهانة بأمره حداً يجعل قيادته تصور له فصل جزءٍ من أرضه على أنه ظفراً وانتصاراً، ويقال له بمنتهى البرود والهدوء «إن القيامة لن تقوم بفصل الجنوب»، فإن كان ذلك كذلك، فما الذي يمنع من أن يقال له يوم غدٍ «إن نهاية العالم لن تكون بقيام دولة دارفور»، أو أن يقال له بعد غدٍ إن انبثاق تقلي والمسبعات وسلطانات العبدلاب ومكوك الجعلين والشوايقة إلى حيز الوجود من جديد، هو رجوع بنا إلى عصر الحضارة والتأصيل، بل ما الذي يمنع أن يقال له إن الوصول بالبلاد إلى واقع ما قبل السلطنة الزرقاء جميعاً هو أمر قد ناضلنا لأجله، وقدمنا في سبيل بلوغه المهج والأوراح، كل هذا جائز في ظل المنطق الذي تدار به البلاد في هذه الأيام.
لكنه وأيم الله، إنه المين في ثوبٍ قشيب، والضحك على عقول البشر على نحوٍ يجعل المضحوك عليه يسخر من الضحَّاك، فقل لي بالله عليك، لماذا أبدت لنا الحركة الإسلامية هؤزأها و سخريتها، يوم أن وقف الدكتور عمر نور الدائم عليه رحمة الله مدافعاً عن مواقف حكومته التي ما بلغت السلطة بالدهاء ولا بالانقلاب، وإنما عبر صندوق انتخابٍ حرٍ شهد له العدو قبل الصديق، لماذا سخرت منه صحافة ذلك الزمان الحر، وقرصته قرصاً موجعاً، حين قال أمام البرلمان، في معرض حديثه عن تمرد الجنوب«إيه يعني سقطت الكرمك، ما برلين برضها سقطت»، هذا إذا علمنا أنه في تلك الأيام النواضر لم تطأ أرض السودان أقدام الأجنبي، ولم تُنجس طهارته بؤر المخابرات وأعمال الجواسيس، لا لشيء إلا لأنه كان محكوماً بإرادة أهله، التي غبطه عليها الأصدقاء، وحسدته بسببها دول عريقة، وأخرى ثرية لكنها غارقة في وحل سلب الإرادة حتى أخمص القدمين، بالأمس سقطت برلين السودان «الكرمك»، لكن اليوم سقط الجنوب كله، بل، إن سارت بنا الأمور على هذا النحو سيسقط السودان جميعاً، ويتداعى بأثره من الوجود، فما لي لا أرى الذين سخروا من سقوط برلين بالأمس، ما لي لا أراهم يحركون اليوم ساكناً، بل ليتهم اكتفوا بالسكوت، بدلاً من ذلك آذوا الشعب بتبريراتٍ لفشلهم وعجزهم أوهي من بيوت العناكب، وأسخف من نكات المتكلفين، ولا اعتقد أنه يجرؤ عليها إلا من منزع منه الحياء، أو ذهبت به «قوة العين مذهباً قصياً يتساوى فيه الشين والزين».
إن سخرية الأقدار جعلت من الذين تنادوا بالأمس لانقاذ البلاد من التمزق والتفتت والتشتت، جعلت من أنفسهم وقوداً لهذا التمزق والتفتت، كيف لا وقد بشرونا بأن السودان ذو البعد الواحد، ببزوغ شمس الانفصال، سيولد من جديد، بعد أن تلاشي ليل الوحدة الدامس التي لم ننال منها إلا التنوع المفضي إلى العنت والمشقة وتفاقم المشكلات، وكأني بالشمال قد أصبح على قلب رجلٍ واحد، لا ذلك الشمال الذي نعرف ولا نجهل.
إن الحقيقة التي لا معدى عنها أن بلاد السودان، بلاد تعدد وتنوع، جنُوبه، مثل شماله، هذا هو واقع، شمال أهله يتراطنون بالمئات من اللهجات، وجنوبه كذلك، أهله عاداتهم شتى، وأعراقهم، وأعرافهم، وطقوسهم، وأسبارهم طابعها التباين، حتى ليعجز عن جمعها وإدراك جذورها العميقة أعظم بحاث في علوم الاجتماع، ويقف مشدوهاً أمامها ذوو البصيرة والنظر، يتأملون فيها قول الحق سبحانه وتعالى،« َولَو شَاءَ َرُبكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمةً وَاحَدةً وَلاَ يَزالُونَ مُخْتَلِفين إلاَ مَنْ رَحِمَ رَبُك وَلِذَلِكَ خَلَقهُم» «هودالأية 118» وقال تعالي أيضاً «وَلَو شَاءَ الله لَجَعَلَكُم أُمةً واحِدةً، وَلَكِن يُضِلَُ مَنْ يَشاءَ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسألُنَّ عَمَا كُنْتُم تَعْمَلٌونْ «النحل الأية93».
بلاد هذا طبعها وتلك فطرتها، اعتقد أنه من العبث السعي إلى تأطيرها وتنميطها واختزالها في بعدٍ واحد، وأي محاولة لذلك هي ضربٌ من المغامرة لا تؤمن عواقبها، خاصةً وأن دافور نارها مشتعلة، وأصحاب المشورة الشعبية في الجبال وفي الإنقسنا وجنوب النيل الأزرق لا تزال آمالهم في الهواء معلقة، ولا ننسى أنهم حديثو عهدٍ بالسلام، وتأليف قلوبهم قد يصبح أمراً دونه خرط القتاد، في ظل الاحباط الذي اكتنف حياتهم، بعد أن تنكر لهم من أولوه الثقة «الحركة» وحسبوها صديقاً يجمعها بهم هَم الوحدة وبناء دولة السودان الحديث، فضلاً عن الواقع الدولي الذي توافق. على الأقل من الناحية النظرية، على احترام التنوع والتعدد والخصوصية الثقافية لكل فرد، ناهيك عن المجموعات والطوائف، ودوننا في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كفل لكل فرد الحق في التمتع بخصوصيته الثقافية والفكرية، وكفل له الحق في حرية الاعتقاد... إلخ الحقوق، فلا أدرى كيف جاز لنا نسيان ذلك وبلادنا تعد من البدريين المصادقين على الإعلان المذكور، إن الحديث العاطفي في هذه المرحلة الحرجة من عمر البلاد هو في الحقيقة زج بها في أتون مزيدٍ من التشقق والتمزق، وأي محاولة اختزال لها في بعدٍ واحد هي في نظري هدم لها على رؤوس الجميع، خاصةً وأن مفهوم القبيلة قد مد رأسه ثانيةً في العقد الأخير، في ظل فشل التنظيمات المدنية الحديثة في القيام بالدور المنوط بها، والمعلوم ضرورةً أنه حين تفشل الدولة في أن تتيح للناس مواعين مدنية تحتويهم، فإن شعور الناس بعدم الأمان والتطامن النفسي يدفع بهم إلى التشرنق والبحث عن السلامة في التكتلات البدائية من أعراق وقبائل وخصوصيات ثقافية وغيرها، وهذه سنة من سنن الله في خلقه، لا نستطيع إلغاءها بالأماني وإرسال الكلام، لذلك إن كانت الحكومة تريد لشعبها صلاحاً فعليها أن تبسط الديمقراطية والتعددية، وأن تشجع منظمات المجتمع المدني التي تستوعب هذا التنوع والتعدد، فإن أبت ذلك، فإنها تكون على نفسها وعلى غيرها قد جنت براقش، وهذا المهدد ليس خاصاً بالشمال وحده وإنما الجنوب نفسه يدخل في هذه الدائرة الجهنمية، و نحيل في هذا الصدد إلى السيد الصادق المهدي في كتابه المدشن حديثاً بعنوان«ميزان المصير الوطني في السودان»، فقد لفت نظرنا في كتابه المذكور إلى أن الجنوب والشمال معاً فيهما مهددات داخلية، وبؤر توتر تنذر بحدوث إنقساماتٍ قد تؤدي إلى تفتيت دولتي الجنوب والشمال معاً، إن قيض للجنوب الانفصال بدولته المستقلة، وعضَّد حديثه هذا ببحوث ودراسات جادة، مثل دراسة ماريك شوميروس وتيم ألن بالتعاون مع مركز دراسات السلام والتنمية التابع لجامعة جوبا، ودراسة مجموعة الأزمات الدولية، وأبحاث الدكتور جون يونغ، وغيرها من الدراسات التي نوهت إلى المشكلات التي يتوقع أن تواجه دولة الجنوب في حالة الانفصال، وربما تؤدي إلى اشتعال حروب أهلية فيها تقضي على كل آمال الانفصاليون في بناء دولة ناجحة ومستقلة، والذي يخشاه المشفقون على أمر البلاد أن يقول التاريخ غداً عن نيفاشا : «إنها كُتِبَتْ لأجل السلام لكنها أشعلت حروباً» تمنى الشعب العود منها إلى حرب «ما قبل 2005» التي كان خلالها وجود الدولة ملموساً، وسلطان الحكم مبسوطاً، وسلوانا قبل أن نكتوي بنار الفوضى واللادولة، أن الأمل في الله ثم في أولي العقل من الحكومة والمعارضة لا ينقطع بالسعي لإيجاد صيغة توافقية تجنبنا الإنزلاق نحو هاوية «حرب الكل ضد الكل» التي قال بها «هوبز» في فجر الرأسمالية، بصدد تنظيراته عن الإنسان البدائي، وانبثاق فكرة الدولة إلى حيز الوجود، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

لوال دينق -حديث الوحدة وبقية شجون

بسم الله الرحمن الرحيم

لوال دينق - حديثٌ عن الوحدة وبقية شجون.

بقلم : خليفة السمري – المحامي.

في حوارٍ نشرته صحيفة الشرق الأوسط، جاء حديث وزير النفط السيد لوال دينق متسماً بالحكمة والموضوعية وعمق النظر،فقد بدأ الرجل في حديثه قارئاً جيداً لحركة التاريخ،لا يتقافز فوق حقائقها، ولا تقف به جدلياتها عند ظواهر التناقضات والمفارقات،فقد ظهر الرجل في حديثه شامخاً على قدر تحدي الوحدة وبناء الوطن الواحد،فلم تأسره مرارات الماضي ولا صراعاته، بل ضرب بشموخه صفحاً عن كل ما يوغر الصدور أو يلهب مشاعر من تنقصهم المقدرة على التحليل، فكان الرجل بحديثه الذي نحن بصدد التعليق عليه نعم القائد،قائداً يقود نفسه وأهله من الأمام إلى ما فيه خير الجميع ، ولا يستجيب للانكفاء والعواطف والأهواء ،فكان الرجل بحق نعم الزميل والتلميذ للراحل جون قرنق في مدرسة الحلم بالسودان الموحد الجديد،فهو حين سأله المحاور عن خطه السياسي وعن موقفه من قضية الوحدة والانفصال أجاب الرجل في صمامةٍ وتصالحٍ مع الذات تزينه الموضوعية وتجمله الثقة بالنفس ،قائلاً (أنا وحدوي على خطى الزعيم جون قرنق دي مابيور ،درسنا في جامعة أيوا الأمريكية لكني اعتبر نفسي تلميذاً له وسبب ذلك هو أنني كنت في البداية انفصالياً، ولكن أقنعني قرنق بمحاسن السودان الواحد،كان يقول لي : أنظر إلى الأمريكيين،فيهم بيضٌ وسود وسمر وصفر ،خاضوا حرباً أهلية وواجهوا مشكلات كثيرة ،لكنهم أصروا على وحدة الولايات المتحدة وهم اليوم نموذج رائع لكل العالم في التعددية والتسامح العنصري والديني، هذا هو سبب،والسبب الثاني هو أني أؤمن بالقومية الأفريقية والوحدة الأفريقية أؤمن بنظريات كوامي نيكروما عن بيان الأفريكانزم ونيوبولد سنغور عن النيغروتيود "الزنجية" ومن باب أولى يجب أن أؤمن بالوحدة السودانية )، ولا شك أن مثل هذا الحديث لا يصدر إلا عمن وفق لقراءة حركة التاريخ على نحوٍ سليم ،وهذا ما يميز بين السياسي الناجح وذلك الدوغمائي الذي تقوده العامة وتجعل منه الدهماء بوقاً "هتيفاً" لا يرى أبعد من موطئ قدميه ولا يدرك عواقب الأمور إلا في ضحى الغد بعد وقوع الكارثة وعويل الثاكلات .لقد كان السيد دينق حصيفاً حين استدعى حضارة كوش ومروي القديمة التي لفتت نظر ابنته الباحثة عن تاريخ الحقيقة ليدلل بذلك على عمق الأفريكانية في وجدان الشعب السوداني شمالاً وجنوباً،ليقول لأهله صراحةً إن لكم حقاً في السودان الشمالي والسودان كافة وانكفاؤكم جنوباً يدلل على فشلكم في استيعاب حركة التاريخ، فاليوم صراع وغمتٌ للحقوق وغداً اعترافٌ بها تتولد عنه منظومات جديدة فلا تستسلموا لليأس والقنوط، هذا ما يستشفه الفطن من حديث الدكتور القائد لوال دينق.

بقراءته الجيدة لحركة التاريخ أدرك السيد دينق أن الصراع المسلح حتماً تتولد عنه تسوية،وأن الحل يكمن في إحلال التصارع السلمي بديلاً للصراعات المسلحة،وذلك حين قال (يجب أن يستفيد الذين يعيشون في أمريكا،في هذا البلد الديمقراطي المتطور من التجربة الأمريكية في الوحدة "بعد الحرب الأهلية"،وفي التعددية والتسامح العرقي والديني )، ونحن نقول بدورنا إن النضال من أجل التحول الديمقراطي وإرساء دعائم الدولة المدنية هو صمام أمان الوحدة،والوحدة في الحقيقة ليست مقصودة لذاتها،وإنما لمزاياها الكثيرة التي عددها المعددون،فإن قدر لها النجاح فإنها تعتبر بمثابة بوابة الولوج إلى بناء الدولة المدنية القوية المحترمة إقليمياً ودولياً والتي يجد فيها الجميع احترامه وكينونته، فاحترام الإنسان في عالم اليوم منوطٌ بقوة وجسارة وطنه، وهذا أمرٌ يعرفه ويستشعره حق الاستشعار كل من قدر له أن يعيش في الخارج غريباً عن الوطن ولا أعتقد أن هناك من يفخر بأن وطنه مسخاً ممزقا أو بأن وطنه ضعيفاً خّرِبا يقتات مواطنوه على مساعدات الدول والمنظمات.

إن واقع الحال يقول إن السودان جنوباً وشمالاً سيكون بلداً ضعيفاً وهامشياً إذا حدث التمزق والانفصال،وهذا يوجب على الجميع حكومةً ومعارضة تشمير ساعد الجد ،وقذف بقايا المزايدات السياسية في سلة القاذورات، والنظر إلى الأمور بموضوعية تتجرد عن الأهواء والعواطف لأجل أن نخرج بالبلاد من ورطة التمزق والتشرذم،فالنار كما توقع محللون كثيرون ستشتعل في ربوع البلاد كافة شمالاً وجنوباً،وأنها لن تمايز إذا ما وقعت الواقعة وتقرر الانفصال،ونحمد في هذا الصدد للحكومة اهتمامها وشروعها في مراجعة القوانين الجنائية وقانون النظام العام لتتواءم مع واقع وعقائد وأعراف المجتمع الجنوبي،فإن تجئ متأخراً خيرٌ من ألا تجئ كما يقولون، ولكننا نرى أن ذك وحده لا يكفي وماكينة الاستفتاء قد كادت عجلاتها أن تصل بنا إلى محطة المصير، فضيق الوقت يحاصر الجميع، وهذا ما يوجب العمل على إقامة ورش عمل مستعجلة لمناقشة كل المقترحات التوافقية التي تسعى إلى إبقاء السودان بلداً موحداً،ولا شك عندي أن الجميع يثمنون ويقدرون للمنظمة الوطنية لدعم الوحدة جهودها وسعيها الدائب الحثيث للوصول بجميع الأطراف إلى قواسم مشتركة وحلول توافقية تنال رضا الجميع، عبر الحوا والنقاش النابه والطرح العلمي الموضوعي الذي لا يتقافز فوق حقائق التاريخ والجغرافيا ،وما مناظرات الوحدويين والانفصاليين التي أعلنت المنظمة عن انعقادها قريبا في الجنوب وفي الشمال عن هذا الشأن ببعيدة، إيماناً منها بأن الحوار الجاد والنقاش الذي يحترم العقول ولا يستثير العواطف هو آلية من الآليات الجيدة التي تضمن للجميع أن يدافع عن وجهة نظره، وإني على مثل اليقين في نفسي أن مثل هذه الآليات ستؤتي أكلها في المناظرة المزمع عقدها في السادس عشر من سبتمبر بقاعدة الصداقة بين تياري الوحدة والانفصال خاصة وأنه يتصدى للحديث عن الوحدة مفكرون في قامة السيد الصادق المهدي والسيد واني تومبي، والحق قديم ولا بد أن ينتصر ، ولا بد للوحدة أن تنتصر -عاجلاً أو آجلاً- ما دام بيننا من يفكر ويقرأ حركة التاريخ على طريقة الدكتور لوال دينق ،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سوءا السبيل،،،.

عبقرية الفشل!!.

بسم الله الرحمن الرحيم

السودان - عبقرية الفشل.

بقلم : خليفة السمري – المحامي.

تقول العرب "القادح على التصفح خيرٌ من النَّزِق المادح"،ويقول مثلنا الشعبي "اسمع كلام من يبكيك،ولا تسمع كلام من يضحكك ويسليك"،وهذه الحكمة الدارجة هي أس نظرية النقد البَنَّاء التي صاغتها المعارف الحديثة،لكن للأسف فإن مثل هذه الحكم والمضامين تجفل عنها نخب السودان حكومةً ومعارضةً ،بل نحن شعب السودان جميعاً طُبعنا وجُبلنا على أن نتأذى من نقد الآخر لنا، مع أن النقد وسيلة إصلاح وأداة تجويد حتى وإن جاء من الخصم الألد،وفي الأثر "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، ولا تكون معرفة النفس إلا بالوقوف على عيوبها ونقاط ضعفها و قصورها،فالبحث عن الدواء لا يصح أبداً أن يسبق الوقوف على حقيقة الداء،وإلا أنه يكون نوعاً من القفز قبل بلوغ الحواجز.

أقول هذا الحديث وقد ساء البعض منا تقرير مجلة السياسة الخارجية الأمريكية عن السودان،والذي صنفت فيه بلادنا بين الدول الفاشلة وفق المعايير المعتمدة لدى المجلة المذكورة،ولسنا في هذا المقال بصدد تصويب أو تخطئة المجلة المذكورة،ولا بصدد البحث عن نوعية المعايير التي اعتمدتها في تقريرها المزعج،فلا يعنينا أن تكون معاييرها منضبطة أو فضفاضة، وإنما الذي يعنينا في هذا المقام رجع الصدى الذي أحدثه ذلك التقرير،فحتى لو كان الأمر لا يعدو أن يكون "بروبوغاندا" معادية، فإنه كان ينبغي أن تلفتنا تلك الدعاية إلى التأمل في ذاتنا بدلاً عن الهروب وفقدان الثقة والارتكان إلى شماعة الكيد والعداء الأجنبيين،فقد أرهقتنا تلك الشماعة دهراً طويلا ونشرت بيننا حيلة "دفن الرؤوس في الرمال" أمام كل حقيقة ماثلة أو خطبٍ جلل قصرت بنا الحيل عن مواجهته بالحلول الناجحة والعمل الجاد ،لقد كان المؤمل ممن وضعوا أنفسهم موضع القيادة أن يمارسوا نقد الذات ويتأملوا مكامن الضعف في سياساتهم بدلاً من المزايدة والغيرة المتكلفة على أمر البلاد،نعم لقد ساءنا جميعاً أن يقال عن بلادنا "إنها أفشل ثالث دولة في العالم" ولكن السؤال لماذا لم يقال ذلك عن "إيران " وهي العدو الذي بينه وبين أمريكا ما صنع الحداد،وقس على ذلك دولاً كثيرة ناجحة ناصبتها أمريكا العداء إلى حد الاقتتال.وللأسف بدلاً من مواجهة النفس ونقد الذات ذهب البعض منا يتلمس تبريرات واهنة،ويصوغ دفوعاً تنقصها الموضوعية،وتفتقد إلى المصداقية ،لا بل تنم عن ضعف أمرنا وهواننا على أنفسنا وعلى الناس ،فعلى رأي بعض "الناصحين" منا فقد حققنا أهداف الألفية في مجالات الصحة والتعليم ومياه الشرب النقية،وتقدمنا في مجالات الاقتصاد وحقوق الإنسان والحكم الرشيد مقايسة بما كنا عليه حتى كدنا نبلغ الغاية والمقصد،وتلك لعمري أمانٍ حالماتٍ سابحاتٍ في سراب الأمل،اعتدنا التأسي بها عند انكشاف عورتنا،وبتنا بسبب هذا السلوك الموارب لا نجرؤ على قول الحقيقة المرة إلا نادراً،ولا شك أني أجد نفسي متفقاً مع هذه الأماني الحالمات إن كان المقصود بالتنمية شيئاً آخر غير تلك التي تواطأ عليها أهل المعاش في كافة أنحاء البسيطة فإننا بحق وبهذا الفهم فعلاً قطعنا فراسخ مٌقدرة في مجالات تنمية الاستهلاك المفقر للجيوب والفاتح لشهية الفساد والإفساد،وما بذلك أبداً تكون التنمية الصميمة أو يتحقق النجاح، فأنى لنا أن نقارب هوامش التنمية أو نشم شميمها ونحن نكابد العنت والمشقة دون أن نلامس إطارها العام وأس بنائها " الأمن والوحدة والأمن الغذائي"،هذا هو ثالوث التنمية الذي تواطأ عليه العقلاء وعرفوه ،فلا تنمية بلا أمن،ولا نمو في ظل التمزق والتشتت،ولا كرامة ولا سيادة مع الجوع والمثقبة،وقد نزل بذلك قرآناً يتلى ،( الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف) الآية ، فأنَى لنا أن نزعم النجاح وصراعات دارفور قد بلغت شهرتها الآفاق حتى أهتم بها من به حصر، وأنَى لنا أن نفخر ونزهو بالنهوض والبلاد جناحها مهيض،تتداعى وحدتها جنوباً، وتمور في حمم النزاع غرباً ومع ذلك نزعم في غير ما خجلٍ ولا استحياء بأننا حققنا التنمية والنمو ونلنا النجاح والفلاح، فأية تنمية وأية نمو نتحدث عنه ومعاناة البلاد من شح النقد الأجنبي باتت أظهر من علم، فالتنمية أحبابي أبداً لا تكون بالاقتراض الذي يشرط فيه المرابي شروطه وإنما تكون باستغلال الموارد المتاحة،وهذا هو فن الاقتصاد ، أن تستغل ما عندك من إمكانيات بدلاً من الارتماء في أحضان منظمات الإقراض العالمية التي وصلت بنا ديونها ومركبات فوائدها المدى،إلى أن بلغت بنا أربعة ً وثلاثين ملياراً من الدولارات،وعلى رأي نائب رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية بالمجلس الوطني أصبح كل مواطن سوداني مديناً بمبلغ سبعمائة وأربعين دولاراً، فهذا المغلوب على أمره الذي لا يملك قوت غده دهاه الزمان بهذا الدين المرهق،ولكن من غرائب النقائض أن بعضنا يقضي بمثل هذا المبلغ ليلةً واحدةً في فندق من فنادق النجوم الزاهرات،ومع ذلك نتنطع بأننا حققنا لأهلنا التنمية والنمو،أهلنا هؤلاء نقول لهم مع صبح كل يوم جديد اصبروا وصابروا واحتسبوا ورابطوا فإن يوم البشارة قريب وأن الذهب الأسود هو فألنا الحسن، فإذا بالذهب الأسود لا يكفينا شره بعد أن قنعنا من أي خير فيه، بل يأبى إلا أن يبقى بيننا،لا ليبرد جوفنا ويشفي غليلنا،ولكن ليهدد وحدة البلاد ، فضعف الطالب والمطلوب.

إننا نتحدث عن التنمية وصادرات البلاد – إذا ما استثنينا النفط الفاجعة – تكاد تقارب أن تسجل صفراً كبيرا،هذا إذا ما صارحنا النفس وواجهنا ذاتنا بحقيقة مدخراتنا من النقد الأجنبي والانفلات الفلكي في أسعار صرف العملات، ومع ذلك يقول لك البعض إننا حققنا أهداف الألفية في التعليم والصحة ،فعن أي تعليم نتحدث ،ومخرجات جامعاتنا لا تصلح لسوق العمل،ولم يخطط أصلاً لربطها ببرامج التنمية والنمو على النحو الذي نهضت به دول من مثل دول جنوب شرق آسيا، التي اتجهت بشبابها نحو التعليم المنتج الذي غرس في النشء حب العمل اليدوي ولم ينفره منه في استعلاءٍ زائف على النحو الذي ورط فيه تعليمنا حملة الإجازات العلمية السودانية التي أصبحت لا تستر عورةً ولا تسد جوعة، ولا تسقي جرعة ماء ،لكنها مع ذلك غرست فينا طموح أن نكون جميعنا ساسةً وبرلمانيين ووزراء، ليفتح تعليمنا بذلك باب أمنياتٍ زائفة وأحلامٍ كاذباتٍ لا يؤهل الواحد منا إليها سوى الغرور الأجوف "وقوة العين " التي لا تعرف الحياء ،هذا هو حال تعليمنا،فكل من تلقاه يقول لك إنه حصل على إجازة التمايز الاجتماعي المغلوط، وأنه تقلد وسام الأفندي الذي مشي على الأرض تكبراً واختال في تمشيه فخوراً، لكنه حين نظر إلى جيبه خالي الوفاض رمقنا جميعاً بازدراء وبادر إلى التمرد وفتح فوهات السلاح على أهله الذين كانوا بأميته آمنين تغشاهم الألفة والرحمة والسكينة،فالتعليم التنموي أحبتي ليس تعليم فك الحروف، وإنما هو التعليم العملي الذي يلامس حياة الناس ويسد جوعتهم ويكسو عريهم ويداوي عللهم ولا يزدري من المعروف شيئاً ،وتحضرني في هذا المقام واقعةٌ لطيفة أوردها الدكتور منصور خالد في كتابه "النخبة السودانية وإدمان الفشل" تجسد هذا التعليم العملي الذي عنه نتحدث ، ذكر الدكتور منصور أنه أيام أن كان وزيراً في حكومة مايو سافر برفقة وفد من السودانيين إلى بريطانيا ،فاحتفى بهم الرعيل الأخير من الإداريين البريطانيين العاملين في السودان، فبادر أحدهم إلى سؤاله عن حال الشيخ منعم منصور ناظر عموم الحمر، وبعد أن أخبره الدكتور منصور بأن العلوان الجالس إلى جانبه هو ابنه إبراهيم، سأله: لكن لماذا تذكرت من بين كل أهل السودان الناظر منعم منصور، فقال له البريطاني : إن الرجل كان أقرب إلى الأولياء وأخلاق الأنبياء منه إلى البشر العاديين ( A paragon of virtue )،وعند سؤاله له لماذا هو في نظرك كذلك ،قال "الخواجة " إنني جبت السودان صقعًا صقعاً فلم أر من هو أشرس في طباعه واعتداده بنفسه من قبيلة الحمر ،فقد فشلنا في بسط حكم القانون فيها على الرغم من إلمامنا بعلوم الإدارة الحديثة ، وهذا ما وفق فيه الشيخ منعم منصور بيسر أحار عقولنا ، هذا هو التعليم العملي الذي نعني ،لا تعليم السبورة والكتاب،فهذا الأخير لا يفعل شيئاً إذا ما حلق بصاحبه عن واقع الزمان والمكان وأغراه بالترفع عن العمل اليدوي والاحتجاب في مدن الوهم الاستعلائي،هذا الوهم هو نفسه الذي بذر فينا نحن المتعلمين خصال التملق والتزلف إلى الأنظمة الحاكمة حتى وإن كان يمايز بيننا وبين أيديولوجياتها ما يمايز بين الإلحاد والإيمان، لكننا مع ذلك نتماهى معها فأفسدنا بذلك أنفسنا وأفسدناها ،ونظرة واحدة في تاريخ علاقاتنا بأحزابنا وحكوماتنا منذ الاستقلال تكفي لإثبات ذلك، فأي ألفية يا ترى بعد هذه السوءة حققنا بتعليمنا أهدافها، وأي تنمية أو نمو نتحدث عنه ومنظمات الغرب والشرق تتداعى علينا بمواد الغوث والمعونة من كل حدب وصوب،لا لمواجهة كوارث عابرات بل لعلاج مصائب مقيمة،عاشت بيننا منذ استقلالنا فالفتنا وألفناها وورثناها وأورثناها كابراً عن كابر،وجيلاً بعد جيل.

إن من يفشل في المحافظة على وحدة بلاده وبسط الأمن والتوافق السياسي فيها ، هو في الحقيقة فاشل، وإن أبدع حدائق بابل،وشاد ناطحات السحاب، لأنه كالذي يبني على تلال الرمال ، وهذا المعيار من عندي أنا الفقير لله لا من عند مجلة " الفورن بولسي الأمريكية" ، فلا تحدثني عن طرق أو جسورٍ، أو قصور، والناس تموت بالفاقة والمرض والفقر والتنازع المفضي إلى القتال،وعلى المنصف منا أن يأخذ على عاتقه جولة في قرى الشمالية أو ريف الشرق أو قرى قلب الجزيرة ناهيك عن دارفور ومأساتها وصراعاتها فضلاً عن مهددات الوحدة الوطنية التي لاحت نذر شرها في أفق البلاد تبرق للجميع رسائل الإحباط من آثار انفصالٍ متوقع وتمزقٍ وشتات،فالدولة الناجحة يا أحبتي هي تلك التي تبدع الآليات الجيدة والأدوات الصميمة لمواجهة مثل هذه الأدواء والمشاكل،فإن قصرت بنا حيلتنا عن بلوغ ذلك فإننا بالحق فاشلين ولو سكتت عنا أمريكا ومجلاتها،ولو "زمرنا" لأنفسنا ومنيناها زيفاً وإيهاما بتباشير النمو والنجاح والفلاح،لكنها هي الدنيا نصطادها حيناً وفي الختام يصطادنا الصياد،هي الدنيا كدٌ وتعب ،عنتٌ ونصب، فشلٌ ونجاح،وللفشل أيضاً عبقريته على رأي الدكتور غازي العتباني ،فهل يا ترى نحن شعبٌ من العباقرة؟.

الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

لأجل الوحدة ..أما من منطقةٍ وسطى بين العلمنة والدين؟

بسم الله الرحمن الرحيم
لأجل الوحدة ..أما من منطقةٍ وسطى بين العلمنة والدين؟
بقلم : خليفة السمري – المحامي.
لاحظت على الكتابات والمقالات التي كتبت في الآونة الأخيرة،فيما يتعلق بإشكالات الوحدة والانفصال،أن جلها، قد صب في باب التلاوم، والبحث في تاريخ المشكلة، بغرض تحميل جريرة تمزيق الوطن لطرف، دون آخر، ولم يكن كاتب هذا المقال بمنجاة من ذلك،وعلى النقيض من ذلك ،لاحظت أن الكتابات الجادة ،التي تقترح حلولاً ،ولو متواضعة لإشكالية الوحدة والانفصال، تكاد تكون في حكم القليل النادر، وهذا ما حفزني إلى محاولة الفكاك من ذلك النهج -الذي لا يتناسب مع المرحلة - والولوج إلى محيط الأفكار التي تبحث عن الحلول الناجحة،أملاً في أن يكون مقالي هذا قطرة غيثٍ في هذا الباب،أو خربشة متفائل يحاول إحداث ثقب في جدار الجمود والإحباط الذي ضرب بأطنابه علينا جميعاً بسبب هول صدمة التمزق التي لاحت في أفق البلاد،والسلخ المتوقع لجزء غالٍ من وطن الجدود، وكأني - من هول هذا الخطب الجلل- بإرادة الأغلبية منا قد أصابها العجز والشلل،وكأني بلسان حال الجميع يقول : وهيهات أن يأتي من الدهر فائتٌ ..فدع عنك هذا الأمرَ،فقد قضي الأمرُ.
مع حالة الإحباط هذه نحمد للسيد الصادق المهدي أن جفنه لم ينم، وذهنه لم يتكدر أو يشوش،ولم يغش عقله الشلل والإعياء، وهذا هو المؤمل من القيادة دوماً، أن تبعث الحياة في العظم النخر، وأن تجلب الفأل والأمل،وتجدد روح الفعل فيمن خارت منهم القوى،وانقطعت بهم السبل،عن بلوغ الغاية والمقصد،لقد اقترح حكيم أهل السودان ،كما يحلو للبعض أن يناديه ،حلاً لإشكال الوحدة والانفصال، تضمن من بين ما تضمن أن يكون بترول الجنوب كله لأهل الجنوب،وأن تؤسس دولة بنظامين، أحدهما علماني في الجنوب، والآخر إسلامي في الشمال،تحكم كل منهما حكومة نظيرة للأخرى،على أن تدار العاصمة بطريقة مدنية، أو علمانية بإدارة مشتركة من الطرفين،لتكون العاصمة بذلك بمثابة قاسم مشترك بين النظامين،لكن للأسف حتى الآن لم نر قبولاً لهذه الفكرة ولا حواراً جاداً حولها،من الأطراف الفاعلة " المؤتمر الوطني والحركة الشعبية"،وظلت رؤية الطرفين لأمر الدولة تراوح مكانها ،وتتخذ من المانوية ديناً لها،فلا تشوف منزلة بين المنزلتين،ولا ترى بين الأبيض والأسود تدرج ألوان،فإما علمانية سافرة،تشمل كل مظاهر الدولة والحياة،على نحو ما تحلق بنا صقور الحركة الشعبية،دون مراعاة لمشاعر الغالبية المسلمة ،وإما أن مجرد قبول مناقشة فكرة العلمانية،يعتبر خوضاً في الممنوع والمحظور،على نحو ما أنذرتنا صقور المؤتمر الوطني ،ولا شك أن عقيدة ماني هذه ستنتهي بأمر الوطن إلى جحيمٍِ لا يرحم، ونارٍ لا تبرد حممها،ولا ينطفئ لهيبها.ولكن يظل الدأب دوماً أنه عند وقوع الإحن والورطات أن الشعوب تركن إلى قيادتها وإلى أهل الفكر والنظر فيها،ليفكوا لها طلاسم الألغاز، ويحلوا لها عويص المشكلات،فأنى لنا بقيادات فكرية على قدر هذا التحدي ،تطرح حلولا،وتثير نقاشاً،على نحو ما فعل السيد المهدي،وأنى لنا بهادٍ في هذه الغبرة التي علا عجاجها ينجو بنا من الانتهاء إلى صيرورة "إن حتفها أعماها"؟،
وبدلاً من الاستسلام لحالة الإحباط هذه،فالأجدر بالجميع أن يوقدوا شمعة في الظلام،عسى أن يكفينا ومضها الواهن شرور التعثر في الحفر، على أمل إدراك خيوط الفجر وأنوار الصباح.
إن اتفاقية السلام الشامل بالفعل كما سبق أن قال الدكتور غازي العتباني،لم تستصحب النصوص الذمية التي يتحدث عنها بعض قادة الحركة الشعبية،ولم تجعل،لا هي، ولا الدستور الانتقالي من المواطن الجنوبي مواطناً من الدرجة الثانية،على النحو الذي يتذرع به بعض قيادات الحركة الشعبية،للتحلل من واجباتهم تجاه شعبهم،والتي من أخصها بناء السودان الموحد، فعلى المستوى الدستوري ،واقعاً، وقانونا،فإن النائب الأول لرئيس الجمهورية من أهل الجنوب الذين لا يدينون بدين الإسلام،وكذلك غالبية وزراء الحركة في الوزارة الاتحادية، فأين ذلك من أوضاع أهل الذمة ،التي يتحدث عنها البعض، ليبرر حالة الرحيل العاطفي باتجاه الجفوة والانفصال، لكن من جانب آخر،فإن المؤتمر الوطني، ظل يدغدغ عاطفة جماهيره بقضية الشريعة ،ويطرحها بصورة فضفاضة، تداري على مخالفته لها، على مستوى البناء الدستوري للدولة،وتثير خوف الجنوبيين ،الذين يرون بشأن الشريعة ما لا نرى،على الرغم من الضمانات الدستورية، والقانونية، التي وفرتها نيفاشا،وكان أجدر به – أي المؤتمر الوطني- أن يصارح النفس،وينور جماهيره، ويطلعهم على الحقيقة الغائبة عن كثيرين منهم،ممن لا علم لهم بفقه الشريعة ،وما أكثرهم، فتبني الشريعة الإسلامية،على مستوى التشريعات العادية ،لا يصبغ الدولة بالإسلامية ،إذا ما كانت هذه الدولة على مستواها الدستوري،غير متقيدة بنصوص الشريعة، فحسب وجهة النظر السلفية ،فإنه ليس من حق من يتجاوز شروط الإمامة ،أو شروط الذمة ،في دولته أن يحتج أو يزايد باسم الشريعة على من يتجاوز هو الآخر في دولته النصوص الشرعية المتعلقة بالشرب والردة والسرقة،حال كون ،هذا، وذاك،في باب مخالفة النصوص الشرعية سيان،هذا إذا علمنا أنه ليس في نصوص الشريعة فاضل ومفضول، لذلك كان لا بد من مواجهة النفس، والتصالح معها، لأن في هذا التصالح أمانٌ للآخر، وإقناعٌ له للتعامل معنا على نحو وثوق،وفي سبيل الوصول إلى هذا التصالح ،لا بد من إبداع التأويل المقنع، الذي يجد سنده في الدين نفسه،وفي أصول الفقه الإسلامي، وما جرى عليه العمل في دولة الإسلام، في شتى مراحلها،وفي جميع البقاع التي حكمتها،وما الخلاف، وأدب الخلاف في المذاهب الإسلامية ،إلا دليلاً على مرونة الشريعة،واستجابتها لمعالجة مشكلات الواقع ،إذا ما تصدى لأمرها ذووا الطاقات المبدعة ،الذين لا يركنون إلى ظواهر النصوص،ولا يقنعون بالقشر دون اللباب، والذي نأسف له بصدد ما نكتب فيه الآن،أن الإسلاميين السودانيين،أيام كانوا بعيدين عن سدة الحكم والسلطان، كانوا أكثر تفكراً،وتأملاً، وإنتاجاً لأدوات حلول المشكلات المفترضة ،فلما اعتلوا الملك، وتمكنوا من السلطة ،أصابهم الشلل ،والجمود،مع أن الأصل،أن من هو في موضع السلطة،والسياسة التنفيذية،عادةً ما يكون أكثر مرونةً من ذلك الذي لم يلج بابها بعد،وهذا ما نستغرب معه تصريحات بعض الذين زايدوا على قضية الشريعة،عند اقتراح بعض قادة الحركة الشعبية لمسألة علمانية الدولة كشرط للبقاء في الدولة الموحدة،وللأسف كانت مزايدتهم عاطفية فجةٌ ومنفرة،لم يهديها نور العقل ولا حكم الوقت والمرحلة،إلى قبول الحوار ،للوصول إلى منطقةٍ وسطى، نضمن معها عدم استفزاز الأغلبية المسلمة ،وفي ذات الوقت، نضمن معها عدم استثارة السودانيين من غير المسلمين ،في هذا الظرف الحساس الدقيق،وقد نوه البروفيسور العلامة الطيب زين العابدين،في ما له علاقة بحديثنا هذا، في مقال له نشرته صحيفة الصحافة في 2/8/2010م،نوه إلى مفارقة الحركة الإسلامية عملياً لخطها الفكري ،بشأن قضية الجنوب، فكتب ما نصه " وفي عام 1987م أصدرت الجبهة الإسلامية القومية وثيقة مهمة باسم «ميثاق السودان» حاولت فيها تأصيل موقف الجبهة من قضية الجنوب وهي التي نصّت صراحة على أن الحقوق والواجبات تقوم على المواطنة المتساوية بين المسلمين وغير المسلمين قياساً على وثيقة المدينة التي عقدها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار والعرب المشركين واليهود، وعلى النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب، وعلى استثناء أهل الجنوب من الأحكام ذات الطبيعة الدينية، وعلى حرية المعتقدات والثقافات. وكان الميثاق بمثابة قفزة متقدمة مقارنة بتراث الفقه الإسلامي التقليدي مما حدا بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء الاحتفاء به كما أشاد به عدد من القادة الجنوبيين، وقام مركز دراسات الإسلام والعلاقات المسيحية-الإسلامية التابع لكليات سلي أووك الكنسية في مدينة بيرمنجهام بترجمة الميثاق ونشره باللغة الانجليزية. وشكل الميثاق مرجعية الحركة الإسلامية النظرية في التعامل مع قضية غير المسلمين في دولة إسلامية،ولكن التطبيق العملي لسياسات حكومة الإنقاذ تجاه الجنوب اختلف تماماً عن منظورها الفكري والسياسي الذي اختطته لنفسها قبل عقد من الزمان" أ.هـ
إن النص الذي نقلناه فيما سبق،عن البروفيسور الطيب زين العابدين ،صحيح فيما يخص سياسات الإسلاميين، أو المؤتمر الوطني ، تجاه الجنوب في أيام ما قبل نيفاشا ،لكنه لا ينطبق على أمر ما بعد نيفاشا، ذلك أن القارئ المنصف لبرتوكولات نيفاشا يخرج بنتيجة مؤداها ،أنها أسست على نحو ما ورد في الوثيقة التي أشار إليها البروفيسير العالم،هذا إن لم تكن إلى روح العلمانية أقرب،وقد جاء دستور 2005م فيما بعد مقرراً لذلك وجاعلاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات العلاقة مرجعية حاكمة لنصوصه ،وليس هناك من منصف يمكن أن يقول إن الإعلان العالمي المذكور كان دينياً على النحو الذي تروج له الحركة الشعبية لإصباغ تهمة الدينية على المؤتمر الوطني ونظام الدولة،لتبرير تحللها من تعهداتها والتزاماتها الوطنية، يساعدها في ترويج هذه التهمة "شعاراتية" بعض قادة المؤتمر الوطني في مخاطبة جماهيرهم فيما يتعلق بمسألة الشريعة والمزايدة بالقول بعدم التفريط فيها،وبهذا فإن كلا طرفي العلاقة وقع في سوءة الإفراط التي ترهق قضية الوحدة.
إن وثيقة "ميثاق السودان" التي نوه إليها البروفيسور الطيب زين العابدين لا شك أنها انطوت على تخريجٍ مبدع حاول التأصيل لدولة المواطنة القومية الحديثة ،ولا يقلل من هذا الإبداع رأي بعض من قالوا إن وثيقة المدينة نسخت بآيات براءة "التوبة" فيما يتعلق بمسألة المشركين والذميين، وعلى أية حال يظل مثل هذا الاجتهاد محل احترام ما دام أنه يصب في خانة البحث عن حلول ، ولا شك عندي أن لفت الأنظار إلى وثيقة "ميثاق السودان "التي نوه إليها البروفيسور العالم ،يكبح من جماح المتعنتين من المؤتمر الوطني،الذين لا يقولون بالمنزلة بين المنزلتين،وأكثر من ذلك، فإنه يغري المتعصبين من الحركة الشعبية إلى شيءٍ من المرونة، للبحث عن مخرج،يجنب الجميع سوءات الانفصال، وسلبياته الكثيرة ،التي تطرق إليها كثيرون بالبحث والتحليل،ونبهوا إلى ما يمكن أن يترتب عليها من آلام، وجراحات ،لوطنٍ أقعدته الكروب،هذا إذا علمنا أن مبدأ المصلحة الغالبة له سندٌ في الدين ،ففي صلح الحديبية، وافق صلى الله عليه وسلم على شروط قريش كلها، وقبلها على الرغم من إجحافها في حق المسلمين والتزم بها حال كون فيها مصلحةٌ غالبة، ولم يتحلل منها صلى الله عليه وسلم ،إلى أن نكصت قريش بوعدها الذي قطعته على نفسها ،ولنا أيضاً في المملكة العربية السعودية وحكمة ساستها التي تجاوزا بها الأزمات صوىً مرشدات،ففي حرب الخليج الثانية،استعانت المملكة بالغربيين، وأمنت بذلك لشعبها سلاماً وأمناً وعيشاً رغدا،مع أن استعانتها تلك لا تتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي تبعه يوم أحد " ارجع فإني لا أستعين بمشرك"،لكن للضرورة أجاز مجلس إفتائها هذه الاستعانة التي انتفعت بها المملكة في أمر دنياها،فما بال مبدأ الضرورة حرامٌ علينا نحن الذين نرى بلادنا تتمزق،بعد أن كان الإسلام ينداح عبرها إلى وسط أفريقيا وشرقها بصورةٍ سلسلة،لا يكدرها إلا تطرف المتطرفين،الذين يؤذي تطرفهم الناس في دينهم ودنياهم معاً،فلا تقل لي إن في انفصال الجنوب مصلحة للإسلام بقيام دولة الإسلام الشمالية،فتلك مغالطة،تكذبها جهود منظمة الدعوة الإسلامية التي بلا شك سيقيد نشاطها وتقل فاعليتها إذا ما وقع الانفصال.
إن القراءة المنصفة لفكرة الدولة المدنية التي اقترحها السيد الصادق المهدي ، والتي هي في الحقيقة قد أُفرغت فكرتها في برتوكولات نيفاشا وفي الدستور الانتقالي لسنة 2005م ، توجب على المزايدين بقضيتي الشريعة والعلمانية أن يرحموا هذا الشعب،الذي عانى الأمرين ،وشام الخلاص في دولة المواطنة، التي تعطي كل ذي حقٍ حقه،بعيداً عن التمييز العرقي، والديني، والأثني، ومن غريب القول الذي لا يطابق الفعل،أن هؤلاء المزايدين،لا يرفضون فكرة الديمقراطية، بل يبجلها بعضهم إلى حد التقديس،لا بل يصاب هذا البعض بشيء من "النرفزة" والغضب والجفول إذا ما اتهمه أحد بأنه دكتاتور، أو وصفه بأنه شوفيني،فلا أدري لماذا يُستَفز مثل هذا المزايد،وكلنا نعلم أن الديمقراطية أمرٌ آخر غير الشورى الإسلامية، فالديمقراطية هي ليست مجرد حكم الشعب فحسب،لكنها في حقيقة أمرها انبثاق ومولود شرعي،خرج إلى الوجود من رحم مناهضة المقولة ذائعة الصيت والشهرة " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"،التي يعتبرها بعضنا أصلاً لفصل الدين عن الدولة ،وهو في نظري اعتبار خاطئ،ذلك أن مقولة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله "،هي في حقيقة أمرها تأصيل للدكتاتورية، وللسلطة المطلقة،التي لا سلطان للشعب عليها،فمقولة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ذات البعد المقدس عند المسيحيين،هي في الحقيقة مقولة إقصائية أوجبت على المسيحيين في القرون الوسطى ،ديانةً ،ألا يتدخلوا في شئون الحكم،الذي هو من منطلق موروثات نظرية الحق الإلهي منوط بالقيصر أو الملك الحاكم وحده، فلا يجوز ديانةً الاعتراض عليه في أمرٍ من أمور السياسية، ومن الجانب الآخر فإنه لا يجوز للمسيحي التعرض لرجال الدين النائبين عن الله في أمر دينه، ولا يجوز له مخالفة ما يصدرونه من تعليمات وأوامر في شؤون الدين أو في شؤون الإقطاع الكنسي، وهذه الديكتاتورية الدنيوية الدينية مع مرور الأيام خلقت تململاً خائفاً أسفر عن نفسه في عهد الأنوار عبر أفكار مفكرين من أمثال جون لوك وروسو ومنتوسكيو وغيرهم،ناقشوا من خلالها نظريات الحق الإلهي وانتهوا إلى أن خلاص شعوبهم لا يكون إلا بما أبدعوه من نظريات جديدة لمسالة الدولة والسيادة من مثل نظرية العقد الاجتماعي التي تبنتها الثورة الفرنسية وما تلاها من تحولات في أمر السياسية الأوربية بعد ذلك،لتنبثق بذلك فكرة الديمقراطية الحديثة إلى الوجود بعد تشذيبها من سوءات النموذج الإغريقي العتيق،وبذلك يمكن القول: إن الدولة المدنية أو العلمانية – سمها ما شئت - هي دولة الديمقراطية ذات نفسها ولا يغير من الحال أن تسميها أحمد أو حاج أحمد فالعبرة للمعاني وليس للألفاظ والمباني،ويمكن القول أيضاً أن مقولة " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"،هي الديكتاتورية في ثوب قشيب، فعلى الذين يتأبون على أنفسهم قبول نموذج الدولة القومية التي تقول بالديمقراطية أن يكونوا أمناء مع أنفسهم ويرفضوا الديمقراطية نفسها وصولاً للوحدة الفكرية بدلاً من التماهي معها،على الرغم من أنها ابنة العلمانية من الرحم لا بالرضاع ،لكن هذا التماهي سببه الخوف من أن يصفهم الآخر بالدكتاتورية والشوفينية والتسلط.فهل من صدقٍ مع النفس يضع النقاط على الحروف؟.
إن مخرج البلاد من ورطتها يا سادتي لا يكون بالشعارات الفارغة، ولا بالأدوات والآليات المعطوبة، وإنما بالعمل الجاد الذي يطابق فيه القول الفعل، ويتحد فيه الفكر مع الشعور، فما ضر البلاد إلا الشيزوفيرينا الفكرية والسياسية جنوباً وشمالاً،ونحمد الله أن دستور 2005م جاء على نحوٍ فيه كثيرٌ من الإبداع، بل في وجهة نظرنا يعتبر أفضل وثيقة دستورية عرفها السودان منذ استقلاله،وإن كان فيه من سوءة،فإنها تتمثل في انفراد طرفين من بين كل أهل السودان بكتابة الاتفاقيات المؤسسة له، لكن هذا لا يطعن في سلامة بنائه النظري الذي شرعن للقواسم المشتركة بين كل أهل السودان على نحو يجد فيه الجميع حقه محفوظاً، ولذلك فإنه بدلاً من تهرب بعض قادة الحركة من واجباتهم في حفظ وحدة البلاد بالإحالة إلى الشريعة الإسلامية وتحميلها وزر فشلهم في القيام بواجباتهم التي أدوا عليها اليمين الدستورية، بدلاً من ذلك عليهم أن ينحازوا إلى تفعيل نصوص الدستور المذكور،وغرسه في واقع حياتنا السياسية، وبالمثل أيضاً يجب على بعض قيادات المؤتمر الوطني التي تدغدغ عواطفنا بمسألة الشريعة أن تسعى بالجدية اللازمة لإنفاذ مضامين ذلك الدستور،وإذا فعلت ذلك بصدق مع النفس يحترم العهود، فإنها سترى نتيجة ذلك في مفاوضاتها مع متمردي دارفور، الذين لا اعتقد أن لديهم ما يحتجون به على الدستور الانتقالي لسنة 2005م من ناحية بنائه النظري، وإنما كل منافذ النقد المتاحة أمامهم وأمام غيرهم تتجسد في الواقع العملي،ومدى الجدية في الالتزام بتلك الوثيقة،التي تمثل حلاً مبدعاً لإشكالية الدين والدولة،والتي اعتقد أنها المخرج الأمين من إشكالية ثنائية الشريعة والقوانين الوضعية التي ينحاز إلى كلٍ منهما أقوام لا يجوز الاستهانة بهم ولا بعقائدهم ومشاعرهم، فهل بعد كل الذي قلناه سابقاً من منطقة أعراف بين الجنة والنار،تنحل عندها باسم المواطنة،تناقضات العلمانية ودولة الشريعة،لبقاء السودان موحداً ،غير الالتزام بالدستور الانتقالي لسنة 2005م؟ وهل لدينا بديلاً مبدعاً نتلاقى عنده جميعاً في الوقت الحالي،يحل محل التراشق بتهم العلمنة والتدين سوى تفعيل نصوص الدستور المذكورة والتمسك بها في مواجهة النفس قبل الخصم،فيا ترى بعد هذا الذي ذكرناه يلتقي الشتيتين عند هذا التفعيل الذي نشدناه بعد أن ظننا ألا تلاقيا،أم أن البعض سيهزأ مُعَرِضَاً بنا ،ليقرصنا بالقول :أيها المنكح سهيلاً الثريا..عمرك الله كيف يلتقيان؟، اللهم إنه جهد المقل، فإن أخطأنا فإنك بنا راحم ،وحسبنا عند الخطأ الظفر بالأجر الواحد ،وحسبنا الارتكان إلى حسن النوايا،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،