الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

لأجل الوحدة ..أما من منطقةٍ وسطى بين العلمنة والدين؟

بسم الله الرحمن الرحيم
لأجل الوحدة ..أما من منطقةٍ وسطى بين العلمنة والدين؟
بقلم : خليفة السمري – المحامي.
لاحظت على الكتابات والمقالات التي كتبت في الآونة الأخيرة،فيما يتعلق بإشكالات الوحدة والانفصال،أن جلها، قد صب في باب التلاوم، والبحث في تاريخ المشكلة، بغرض تحميل جريرة تمزيق الوطن لطرف، دون آخر، ولم يكن كاتب هذا المقال بمنجاة من ذلك،وعلى النقيض من ذلك ،لاحظت أن الكتابات الجادة ،التي تقترح حلولاً ،ولو متواضعة لإشكالية الوحدة والانفصال، تكاد تكون في حكم القليل النادر، وهذا ما حفزني إلى محاولة الفكاك من ذلك النهج -الذي لا يتناسب مع المرحلة - والولوج إلى محيط الأفكار التي تبحث عن الحلول الناجحة،أملاً في أن يكون مقالي هذا قطرة غيثٍ في هذا الباب،أو خربشة متفائل يحاول إحداث ثقب في جدار الجمود والإحباط الذي ضرب بأطنابه علينا جميعاً بسبب هول صدمة التمزق التي لاحت في أفق البلاد،والسلخ المتوقع لجزء غالٍ من وطن الجدود، وكأني - من هول هذا الخطب الجلل- بإرادة الأغلبية منا قد أصابها العجز والشلل،وكأني بلسان حال الجميع يقول : وهيهات أن يأتي من الدهر فائتٌ ..فدع عنك هذا الأمرَ،فقد قضي الأمرُ.
مع حالة الإحباط هذه نحمد للسيد الصادق المهدي أن جفنه لم ينم، وذهنه لم يتكدر أو يشوش،ولم يغش عقله الشلل والإعياء، وهذا هو المؤمل من القيادة دوماً، أن تبعث الحياة في العظم النخر، وأن تجلب الفأل والأمل،وتجدد روح الفعل فيمن خارت منهم القوى،وانقطعت بهم السبل،عن بلوغ الغاية والمقصد،لقد اقترح حكيم أهل السودان ،كما يحلو للبعض أن يناديه ،حلاً لإشكال الوحدة والانفصال، تضمن من بين ما تضمن أن يكون بترول الجنوب كله لأهل الجنوب،وأن تؤسس دولة بنظامين، أحدهما علماني في الجنوب، والآخر إسلامي في الشمال،تحكم كل منهما حكومة نظيرة للأخرى،على أن تدار العاصمة بطريقة مدنية، أو علمانية بإدارة مشتركة من الطرفين،لتكون العاصمة بذلك بمثابة قاسم مشترك بين النظامين،لكن للأسف حتى الآن لم نر قبولاً لهذه الفكرة ولا حواراً جاداً حولها،من الأطراف الفاعلة " المؤتمر الوطني والحركة الشعبية"،وظلت رؤية الطرفين لأمر الدولة تراوح مكانها ،وتتخذ من المانوية ديناً لها،فلا تشوف منزلة بين المنزلتين،ولا ترى بين الأبيض والأسود تدرج ألوان،فإما علمانية سافرة،تشمل كل مظاهر الدولة والحياة،على نحو ما تحلق بنا صقور الحركة الشعبية،دون مراعاة لمشاعر الغالبية المسلمة ،وإما أن مجرد قبول مناقشة فكرة العلمانية،يعتبر خوضاً في الممنوع والمحظور،على نحو ما أنذرتنا صقور المؤتمر الوطني ،ولا شك أن عقيدة ماني هذه ستنتهي بأمر الوطن إلى جحيمٍِ لا يرحم، ونارٍ لا تبرد حممها،ولا ينطفئ لهيبها.ولكن يظل الدأب دوماً أنه عند وقوع الإحن والورطات أن الشعوب تركن إلى قيادتها وإلى أهل الفكر والنظر فيها،ليفكوا لها طلاسم الألغاز، ويحلوا لها عويص المشكلات،فأنى لنا بقيادات فكرية على قدر هذا التحدي ،تطرح حلولا،وتثير نقاشاً،على نحو ما فعل السيد المهدي،وأنى لنا بهادٍ في هذه الغبرة التي علا عجاجها ينجو بنا من الانتهاء إلى صيرورة "إن حتفها أعماها"؟،
وبدلاً من الاستسلام لحالة الإحباط هذه،فالأجدر بالجميع أن يوقدوا شمعة في الظلام،عسى أن يكفينا ومضها الواهن شرور التعثر في الحفر، على أمل إدراك خيوط الفجر وأنوار الصباح.
إن اتفاقية السلام الشامل بالفعل كما سبق أن قال الدكتور غازي العتباني،لم تستصحب النصوص الذمية التي يتحدث عنها بعض قادة الحركة الشعبية،ولم تجعل،لا هي، ولا الدستور الانتقالي من المواطن الجنوبي مواطناً من الدرجة الثانية،على النحو الذي يتذرع به بعض قيادات الحركة الشعبية،للتحلل من واجباتهم تجاه شعبهم،والتي من أخصها بناء السودان الموحد، فعلى المستوى الدستوري ،واقعاً، وقانونا،فإن النائب الأول لرئيس الجمهورية من أهل الجنوب الذين لا يدينون بدين الإسلام،وكذلك غالبية وزراء الحركة في الوزارة الاتحادية، فأين ذلك من أوضاع أهل الذمة ،التي يتحدث عنها البعض، ليبرر حالة الرحيل العاطفي باتجاه الجفوة والانفصال، لكن من جانب آخر،فإن المؤتمر الوطني، ظل يدغدغ عاطفة جماهيره بقضية الشريعة ،ويطرحها بصورة فضفاضة، تداري على مخالفته لها، على مستوى البناء الدستوري للدولة،وتثير خوف الجنوبيين ،الذين يرون بشأن الشريعة ما لا نرى،على الرغم من الضمانات الدستورية، والقانونية، التي وفرتها نيفاشا،وكان أجدر به – أي المؤتمر الوطني- أن يصارح النفس،وينور جماهيره، ويطلعهم على الحقيقة الغائبة عن كثيرين منهم،ممن لا علم لهم بفقه الشريعة ،وما أكثرهم، فتبني الشريعة الإسلامية،على مستوى التشريعات العادية ،لا يصبغ الدولة بالإسلامية ،إذا ما كانت هذه الدولة على مستواها الدستوري،غير متقيدة بنصوص الشريعة، فحسب وجهة النظر السلفية ،فإنه ليس من حق من يتجاوز شروط الإمامة ،أو شروط الذمة ،في دولته أن يحتج أو يزايد باسم الشريعة على من يتجاوز هو الآخر في دولته النصوص الشرعية المتعلقة بالشرب والردة والسرقة،حال كون ،هذا، وذاك،في باب مخالفة النصوص الشرعية سيان،هذا إذا علمنا أنه ليس في نصوص الشريعة فاضل ومفضول، لذلك كان لا بد من مواجهة النفس، والتصالح معها، لأن في هذا التصالح أمانٌ للآخر، وإقناعٌ له للتعامل معنا على نحو وثوق،وفي سبيل الوصول إلى هذا التصالح ،لا بد من إبداع التأويل المقنع، الذي يجد سنده في الدين نفسه،وفي أصول الفقه الإسلامي، وما جرى عليه العمل في دولة الإسلام، في شتى مراحلها،وفي جميع البقاع التي حكمتها،وما الخلاف، وأدب الخلاف في المذاهب الإسلامية ،إلا دليلاً على مرونة الشريعة،واستجابتها لمعالجة مشكلات الواقع ،إذا ما تصدى لأمرها ذووا الطاقات المبدعة ،الذين لا يركنون إلى ظواهر النصوص،ولا يقنعون بالقشر دون اللباب، والذي نأسف له بصدد ما نكتب فيه الآن،أن الإسلاميين السودانيين،أيام كانوا بعيدين عن سدة الحكم والسلطان، كانوا أكثر تفكراً،وتأملاً، وإنتاجاً لأدوات حلول المشكلات المفترضة ،فلما اعتلوا الملك، وتمكنوا من السلطة ،أصابهم الشلل ،والجمود،مع أن الأصل،أن من هو في موضع السلطة،والسياسة التنفيذية،عادةً ما يكون أكثر مرونةً من ذلك الذي لم يلج بابها بعد،وهذا ما نستغرب معه تصريحات بعض الذين زايدوا على قضية الشريعة،عند اقتراح بعض قادة الحركة الشعبية لمسألة علمانية الدولة كشرط للبقاء في الدولة الموحدة،وللأسف كانت مزايدتهم عاطفية فجةٌ ومنفرة،لم يهديها نور العقل ولا حكم الوقت والمرحلة،إلى قبول الحوار ،للوصول إلى منطقةٍ وسطى، نضمن معها عدم استفزاز الأغلبية المسلمة ،وفي ذات الوقت، نضمن معها عدم استثارة السودانيين من غير المسلمين ،في هذا الظرف الحساس الدقيق،وقد نوه البروفيسور العلامة الطيب زين العابدين،في ما له علاقة بحديثنا هذا، في مقال له نشرته صحيفة الصحافة في 2/8/2010م،نوه إلى مفارقة الحركة الإسلامية عملياً لخطها الفكري ،بشأن قضية الجنوب، فكتب ما نصه " وفي عام 1987م أصدرت الجبهة الإسلامية القومية وثيقة مهمة باسم «ميثاق السودان» حاولت فيها تأصيل موقف الجبهة من قضية الجنوب وهي التي نصّت صراحة على أن الحقوق والواجبات تقوم على المواطنة المتساوية بين المسلمين وغير المسلمين قياساً على وثيقة المدينة التي عقدها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار والعرب المشركين واليهود، وعلى النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب، وعلى استثناء أهل الجنوب من الأحكام ذات الطبيعة الدينية، وعلى حرية المعتقدات والثقافات. وكان الميثاق بمثابة قفزة متقدمة مقارنة بتراث الفقه الإسلامي التقليدي مما حدا بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء الاحتفاء به كما أشاد به عدد من القادة الجنوبيين، وقام مركز دراسات الإسلام والعلاقات المسيحية-الإسلامية التابع لكليات سلي أووك الكنسية في مدينة بيرمنجهام بترجمة الميثاق ونشره باللغة الانجليزية. وشكل الميثاق مرجعية الحركة الإسلامية النظرية في التعامل مع قضية غير المسلمين في دولة إسلامية،ولكن التطبيق العملي لسياسات حكومة الإنقاذ تجاه الجنوب اختلف تماماً عن منظورها الفكري والسياسي الذي اختطته لنفسها قبل عقد من الزمان" أ.هـ
إن النص الذي نقلناه فيما سبق،عن البروفيسور الطيب زين العابدين ،صحيح فيما يخص سياسات الإسلاميين، أو المؤتمر الوطني ، تجاه الجنوب في أيام ما قبل نيفاشا ،لكنه لا ينطبق على أمر ما بعد نيفاشا، ذلك أن القارئ المنصف لبرتوكولات نيفاشا يخرج بنتيجة مؤداها ،أنها أسست على نحو ما ورد في الوثيقة التي أشار إليها البروفيسير العالم،هذا إن لم تكن إلى روح العلمانية أقرب،وقد جاء دستور 2005م فيما بعد مقرراً لذلك وجاعلاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات العلاقة مرجعية حاكمة لنصوصه ،وليس هناك من منصف يمكن أن يقول إن الإعلان العالمي المذكور كان دينياً على النحو الذي تروج له الحركة الشعبية لإصباغ تهمة الدينية على المؤتمر الوطني ونظام الدولة،لتبرير تحللها من تعهداتها والتزاماتها الوطنية، يساعدها في ترويج هذه التهمة "شعاراتية" بعض قادة المؤتمر الوطني في مخاطبة جماهيرهم فيما يتعلق بمسألة الشريعة والمزايدة بالقول بعدم التفريط فيها،وبهذا فإن كلا طرفي العلاقة وقع في سوءة الإفراط التي ترهق قضية الوحدة.
إن وثيقة "ميثاق السودان" التي نوه إليها البروفيسور الطيب زين العابدين لا شك أنها انطوت على تخريجٍ مبدع حاول التأصيل لدولة المواطنة القومية الحديثة ،ولا يقلل من هذا الإبداع رأي بعض من قالوا إن وثيقة المدينة نسخت بآيات براءة "التوبة" فيما يتعلق بمسألة المشركين والذميين، وعلى أية حال يظل مثل هذا الاجتهاد محل احترام ما دام أنه يصب في خانة البحث عن حلول ، ولا شك عندي أن لفت الأنظار إلى وثيقة "ميثاق السودان "التي نوه إليها البروفيسور العالم ،يكبح من جماح المتعنتين من المؤتمر الوطني،الذين لا يقولون بالمنزلة بين المنزلتين،وأكثر من ذلك، فإنه يغري المتعصبين من الحركة الشعبية إلى شيءٍ من المرونة، للبحث عن مخرج،يجنب الجميع سوءات الانفصال، وسلبياته الكثيرة ،التي تطرق إليها كثيرون بالبحث والتحليل،ونبهوا إلى ما يمكن أن يترتب عليها من آلام، وجراحات ،لوطنٍ أقعدته الكروب،هذا إذا علمنا أن مبدأ المصلحة الغالبة له سندٌ في الدين ،ففي صلح الحديبية، وافق صلى الله عليه وسلم على شروط قريش كلها، وقبلها على الرغم من إجحافها في حق المسلمين والتزم بها حال كون فيها مصلحةٌ غالبة، ولم يتحلل منها صلى الله عليه وسلم ،إلى أن نكصت قريش بوعدها الذي قطعته على نفسها ،ولنا أيضاً في المملكة العربية السعودية وحكمة ساستها التي تجاوزا بها الأزمات صوىً مرشدات،ففي حرب الخليج الثانية،استعانت المملكة بالغربيين، وأمنت بذلك لشعبها سلاماً وأمناً وعيشاً رغدا،مع أن استعانتها تلك لا تتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي تبعه يوم أحد " ارجع فإني لا أستعين بمشرك"،لكن للضرورة أجاز مجلس إفتائها هذه الاستعانة التي انتفعت بها المملكة في أمر دنياها،فما بال مبدأ الضرورة حرامٌ علينا نحن الذين نرى بلادنا تتمزق،بعد أن كان الإسلام ينداح عبرها إلى وسط أفريقيا وشرقها بصورةٍ سلسلة،لا يكدرها إلا تطرف المتطرفين،الذين يؤذي تطرفهم الناس في دينهم ودنياهم معاً،فلا تقل لي إن في انفصال الجنوب مصلحة للإسلام بقيام دولة الإسلام الشمالية،فتلك مغالطة،تكذبها جهود منظمة الدعوة الإسلامية التي بلا شك سيقيد نشاطها وتقل فاعليتها إذا ما وقع الانفصال.
إن القراءة المنصفة لفكرة الدولة المدنية التي اقترحها السيد الصادق المهدي ، والتي هي في الحقيقة قد أُفرغت فكرتها في برتوكولات نيفاشا وفي الدستور الانتقالي لسنة 2005م ، توجب على المزايدين بقضيتي الشريعة والعلمانية أن يرحموا هذا الشعب،الذي عانى الأمرين ،وشام الخلاص في دولة المواطنة، التي تعطي كل ذي حقٍ حقه،بعيداً عن التمييز العرقي، والديني، والأثني، ومن غريب القول الذي لا يطابق الفعل،أن هؤلاء المزايدين،لا يرفضون فكرة الديمقراطية، بل يبجلها بعضهم إلى حد التقديس،لا بل يصاب هذا البعض بشيء من "النرفزة" والغضب والجفول إذا ما اتهمه أحد بأنه دكتاتور، أو وصفه بأنه شوفيني،فلا أدري لماذا يُستَفز مثل هذا المزايد،وكلنا نعلم أن الديمقراطية أمرٌ آخر غير الشورى الإسلامية، فالديمقراطية هي ليست مجرد حكم الشعب فحسب،لكنها في حقيقة أمرها انبثاق ومولود شرعي،خرج إلى الوجود من رحم مناهضة المقولة ذائعة الصيت والشهرة " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"،التي يعتبرها بعضنا أصلاً لفصل الدين عن الدولة ،وهو في نظري اعتبار خاطئ،ذلك أن مقولة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله "،هي في حقيقة أمرها تأصيل للدكتاتورية، وللسلطة المطلقة،التي لا سلطان للشعب عليها،فمقولة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ذات البعد المقدس عند المسيحيين،هي في الحقيقة مقولة إقصائية أوجبت على المسيحيين في القرون الوسطى ،ديانةً ،ألا يتدخلوا في شئون الحكم،الذي هو من منطلق موروثات نظرية الحق الإلهي منوط بالقيصر أو الملك الحاكم وحده، فلا يجوز ديانةً الاعتراض عليه في أمرٍ من أمور السياسية، ومن الجانب الآخر فإنه لا يجوز للمسيحي التعرض لرجال الدين النائبين عن الله في أمر دينه، ولا يجوز له مخالفة ما يصدرونه من تعليمات وأوامر في شؤون الدين أو في شؤون الإقطاع الكنسي، وهذه الديكتاتورية الدنيوية الدينية مع مرور الأيام خلقت تململاً خائفاً أسفر عن نفسه في عهد الأنوار عبر أفكار مفكرين من أمثال جون لوك وروسو ومنتوسكيو وغيرهم،ناقشوا من خلالها نظريات الحق الإلهي وانتهوا إلى أن خلاص شعوبهم لا يكون إلا بما أبدعوه من نظريات جديدة لمسالة الدولة والسيادة من مثل نظرية العقد الاجتماعي التي تبنتها الثورة الفرنسية وما تلاها من تحولات في أمر السياسية الأوربية بعد ذلك،لتنبثق بذلك فكرة الديمقراطية الحديثة إلى الوجود بعد تشذيبها من سوءات النموذج الإغريقي العتيق،وبذلك يمكن القول: إن الدولة المدنية أو العلمانية – سمها ما شئت - هي دولة الديمقراطية ذات نفسها ولا يغير من الحال أن تسميها أحمد أو حاج أحمد فالعبرة للمعاني وليس للألفاظ والمباني،ويمكن القول أيضاً أن مقولة " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"،هي الديكتاتورية في ثوب قشيب، فعلى الذين يتأبون على أنفسهم قبول نموذج الدولة القومية التي تقول بالديمقراطية أن يكونوا أمناء مع أنفسهم ويرفضوا الديمقراطية نفسها وصولاً للوحدة الفكرية بدلاً من التماهي معها،على الرغم من أنها ابنة العلمانية من الرحم لا بالرضاع ،لكن هذا التماهي سببه الخوف من أن يصفهم الآخر بالدكتاتورية والشوفينية والتسلط.فهل من صدقٍ مع النفس يضع النقاط على الحروف؟.
إن مخرج البلاد من ورطتها يا سادتي لا يكون بالشعارات الفارغة، ولا بالأدوات والآليات المعطوبة، وإنما بالعمل الجاد الذي يطابق فيه القول الفعل، ويتحد فيه الفكر مع الشعور، فما ضر البلاد إلا الشيزوفيرينا الفكرية والسياسية جنوباً وشمالاً،ونحمد الله أن دستور 2005م جاء على نحوٍ فيه كثيرٌ من الإبداع، بل في وجهة نظرنا يعتبر أفضل وثيقة دستورية عرفها السودان منذ استقلاله،وإن كان فيه من سوءة،فإنها تتمثل في انفراد طرفين من بين كل أهل السودان بكتابة الاتفاقيات المؤسسة له، لكن هذا لا يطعن في سلامة بنائه النظري الذي شرعن للقواسم المشتركة بين كل أهل السودان على نحو يجد فيه الجميع حقه محفوظاً، ولذلك فإنه بدلاً من تهرب بعض قادة الحركة من واجباتهم في حفظ وحدة البلاد بالإحالة إلى الشريعة الإسلامية وتحميلها وزر فشلهم في القيام بواجباتهم التي أدوا عليها اليمين الدستورية، بدلاً من ذلك عليهم أن ينحازوا إلى تفعيل نصوص الدستور المذكور،وغرسه في واقع حياتنا السياسية، وبالمثل أيضاً يجب على بعض قيادات المؤتمر الوطني التي تدغدغ عواطفنا بمسألة الشريعة أن تسعى بالجدية اللازمة لإنفاذ مضامين ذلك الدستور،وإذا فعلت ذلك بصدق مع النفس يحترم العهود، فإنها سترى نتيجة ذلك في مفاوضاتها مع متمردي دارفور، الذين لا اعتقد أن لديهم ما يحتجون به على الدستور الانتقالي لسنة 2005م من ناحية بنائه النظري، وإنما كل منافذ النقد المتاحة أمامهم وأمام غيرهم تتجسد في الواقع العملي،ومدى الجدية في الالتزام بتلك الوثيقة،التي تمثل حلاً مبدعاً لإشكالية الدين والدولة،والتي اعتقد أنها المخرج الأمين من إشكالية ثنائية الشريعة والقوانين الوضعية التي ينحاز إلى كلٍ منهما أقوام لا يجوز الاستهانة بهم ولا بعقائدهم ومشاعرهم، فهل بعد كل الذي قلناه سابقاً من منطقة أعراف بين الجنة والنار،تنحل عندها باسم المواطنة،تناقضات العلمانية ودولة الشريعة،لبقاء السودان موحداً ،غير الالتزام بالدستور الانتقالي لسنة 2005م؟ وهل لدينا بديلاً مبدعاً نتلاقى عنده جميعاً في الوقت الحالي،يحل محل التراشق بتهم العلمنة والتدين سوى تفعيل نصوص الدستور المذكورة والتمسك بها في مواجهة النفس قبل الخصم،فيا ترى بعد هذا الذي ذكرناه يلتقي الشتيتين عند هذا التفعيل الذي نشدناه بعد أن ظننا ألا تلاقيا،أم أن البعض سيهزأ مُعَرِضَاً بنا ،ليقرصنا بالقول :أيها المنكح سهيلاً الثريا..عمرك الله كيف يلتقيان؟، اللهم إنه جهد المقل، فإن أخطأنا فإنك بنا راحم ،وحسبنا عند الخطأ الظفر بالأجر الواحد ،وحسبنا الارتكان إلى حسن النوايا،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

الأربعاء، 11 أغسطس 2010

بلادٌ بها نيطت عليَّ تمائمي أول أرضٍ مسَّ جلدي ترابها.

بسم الله الرحمن الرحيم
بلادٌ بها نيطت عليَّ تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها.

يحمد الجميع لفخامة العقيد القذافي تصحيح موقفه بشأن قضية الوحدة،فقد نسبت إليه قبل عام أو أكثر من عام تصريحات تصب في خانة الانحياز إلى انفصال الجنوب بدعوى أن الفوارق الأثنية والثقافية بين أهل الشمال والجنوب كبيرة -في نظره- وتقف دون بناء دولة واحدة وراشدة ، وها هي قد طالعتنا وسائل الميديا اليوم بأن فخامة العقيد القذافي راعي فكرة وحدة أفريقيا، قد دعى الجنوبيين إلى البقاء في السودان الكبير بدلاً عن دولة قزمة في الجنوب،العقيد القذافي رجل معروف عنه أنه قارئ جيد للتاريخ، ولا التمس له بذلك المعاذير ، فالرجل قد يكون أدرك حقيقة أن التعدد الأثني والعرقي والديني والثقافي لم يمنع دولاً من مثل الهند واستراليا من النهوض والاستقرار والتنمية،بل إذا تأملنا دولاً مثل أسبانيا وكندا نجد فيها أقليات تحتل أقاليم بكاملها فإقليم الباسك الاسباني وكويبك الكندية الناطقة بالفرنسية بقيا في نطاق الدولة الأم بعد الاعتراف لهما بخصوصيتهما الثقافية والعرقية ، وبريطانيا العظمى لا زالت تحتفظ بإيرلندا الشمالية ولم تفرط فيها لتنشد السلامة من هجمات الجيش الأحمر ،فسلخ الأوطان من بعضها أهون عند العاقلين من سلخ الإنسان جلده، فكيف لا يكون ذلك دأب من فتحت عيونهم على سودان مليون ميل وصاهم عليه الجدود وقالوا لهم عنه إنه أرض نمولي وحلفا،والجنينة وسواكن لكن للأسف جاءت نيفاشا لتبشر بغير ذلك ،نيفاشا تلك المعاهدة التي كتبها طرفان اختزلا أمر الوطن في اثنين لا يمثلان إرادة كافة أهل السودان، وبذلك حق لنا أن نقول عنها إنها معاهدة يشوبها شيءٌ من البطلان إذا ما استصحبنا نظرية العقد الاجتماعي التي بني عليها مفهوم الدولة القومية الحديثة،طرفان اثنان فقط من بين كل أقوام السودان انفردا بوضعنا في الموضع الحرج،مع أنه كان في الأمر فسحة للاعتراف بأخطاء الماضي وملاحقتها بالتصحيح والتصويب بإشراك الجميع على نحوٍ يشعر الكافة بالانتماء لهذا البلد الكبير،فإن كان الإخوة في جنوب السودان يشعرون كما صرح لسان السيد إيزيل جاتكوث بعدم الانتماء للسودان الحالي، فإن بعض أهله من الشمال يشاركونه هذا الإحساس المرير،ولا ينبغي له أن ينظر بعيداً فإخوته في قطاع الشمال قد يكون البعض منهم يقاسمه مثل هذا الشعور ،بل إن كثيراً من التنظيمات السياسية الشمالية تشكو هي الأخرى الإقصاء من أمر الوطن ،لكن هذا أبداً لا يصلح مبرراً لتمزيق البلاد والانتهاء بأمرها إلى كياناتٍ هزيلة قد تصير بها إلى فوضى حرب الكل ضد الكل.ولينظر السيد جاتكوث أيضاً حوله وليسأل نفسه مثلما سأل المؤتمر الوطني ،ماذا فعلت حركته في سبيل معالجة أخطاء الماضي؟، أليس موقفها هو نفس موقف المؤتمر الوطني حين رفضا الاثنين معاً توسيع ماعون نيفاشا للخروج برؤى يتوافق عليها الجميع بدلاً من فرض رؤى أصحاب البنادق الطويلة التي أوردتنا موارد التهلكة والبوار،مع تدثرها بدثار الديمقراطية التي ظلمها الجميع،الديمقراطية تلك قال عنها أحد المهتمين بالشأن السوداني "السيد مارك غوستافسون" إنها تتراجع بسبب أن نظامين في السودان يهيمنان على السلطة كلٍ في منطقته، وأن المعارضة على مستوى كل البلاد لا تسيطر إلا على أقل من 5% من البرلمان "، ومن بعد كل ذلك يريد السيد جاتكوث أن يحمل أهل السودان الشمالي قاطبة مسؤولية توريط البلاد في سوءة الانفصال وكأني بالرجل قد بسط الديمقراطية والحرية لحزب سانو وجماعة أكول وغيرهم من المعارضين لسياسة حركته ليقولوا رأيهم بشأن الدولة التي قطع لنا بأنها بعد خمسة شهور لا بد أنها سترى النور وتطل للوجود.
إن زعامة الحركة الشعبية عمي عليها الأمر حين لم تر نموذج مانديلا الذي قاد تصالحاً مع الذات قبل أن يتصالح مع الآخر، هذا الآخر كان أبيضاً جاء من بلاد الثلج والضباب ومع ذلك وسعه تسامح رجل قاد أهله كما يقول منصور خالد من الأمام ولم يترك أمره للرجرجة والدهماء لتقوده إلى حيث الثارات وتقليب مواجع الماضي، اكتفى مانديلا بأن طلب من خصومه البيض الاعتذار عن الأذى الذي سببوه للسود، وهو أذى الأبرثايد والتمييز بنص القانون، فما بال جاتكوث لا يسامح أهله الذين لم ينبذوه لا في مدرسة ولا في سينما ولا في مطعم ولا مواصلات،بل حين حمي الوطيس واشتد الوغى انداح أهل الجنوب نحوهم بفطرة لم تعرف التصنع ولم يكتنفها التكلف،فطرة عرفت أن أمنها مبسوط بين أهلها وذويها ،فلماذا لا يدرك السيد جاتكوث أن الأمر كان أمر خلافات سياسية ولدتها ظروف موضوعية قرأها كل طرف وأولها على طريقته الخاصة لينتهي بنا الأمر إلى حروب طال أمدها وتأبد على الجميع أذاها واكتوى بنارها الناس كافة جنوباً وشمالا،لماذا لم ير ذلك أم على القلوب أقفالها،لماذا لم تستوقفه فرحة أهله شمالاً وجنوباً حين لاحت بشائر السلام ،وحين حلم الكثيرون برياح التغيير الآتية من الجنوب الأخضر لتخليصهم من سوءات السياسية السودانية العتيقة ،أم أن الجميع كان مخدوعاً ولم يدرك الأمر إلا بعد أن سكت شهريار عن الكلام المباح؟ ،هذه هي الحقيقة ،فقد بات حرفها مثل جبل قاف يسد الأفق على الرائي ،فالكل قد أبصر وأدرك الآن أن نهج الحركة لم يكن سوى تكتيكات هدفها الوصول إلى غايةٍ هي في الحقيقة تمزيق الوطن وتعريضه للفوضى مع الاعتذار للشعب السوداني بأن تسويف المؤتمر الوطني ونقضه للعهود هو السبب في اختيار الجفاء والرحيل ،وكأني بالمؤتمر الوطني هو الشمال قاطبة أو السودان كافة ،وإننا بهذا لا ندعو الحركة الشعبية أن تنوب عن أهل الشمال الذين لا يرون رأي المؤتمر الوطني في الاقتصاص لها منه وهو ذاك الخصم العنيد،وإنما كان الأمل والعشم أن تتصدى الحركة لأمر السياسة السودانية من قناعة راسخة بأن السودان من نمولي إلى حلفا لها فيه قسمة مشاعة،وأن تاريخه بأثره هو تاريخها،لكن للأسف قصرت بالقيادة فيها الرؤية على نحوٍ فارقت فيه دروب زعيمها، فاختارت الانكفاء والتقوقع على الذات،فما بصرت إلا كما يبصر الجهير، لكنها فعلاً ستدرك عماها يوم أن تجد المواني دونها مغلقة وشروط أخوة الجوار الزائف الذين يضحكونها ويسامرونها الآن مضروبةً ومقيدة ،إنها ستدرك ذلك يوم أن يطغى الطوفان على الوطن الكبير شمالاً وجنوباً تحت دعاوى السيادة والحدود التي لا تقرها قبائل الفطرة والسذاجة،ولم تعرفها طباع من يسلكون الدروب الشاقة لأجل أن تبقى أبقارهم في عشب الطبيعة راتعة،فهؤلاء يا أهل ساس يسوس لن يقنعهم تنظيركم ولو احتفلتم له في تحكيم لاهاي ، ولن يثنيهم عن ديارهم التي اعتادوا عليها واعتادت عليهم بيارق مساحين ولا صوى حجارةٍ مرصوصة،فلسان هؤلاء لو علمتم دوما ًَ يقول : بلادٌ بها نيطت عليَّ تمائمي وأول أرضٍ مس جلدي ترابها، فهل للرشاد بعد الغواية من سبيل؟، وهل من خيالٍ يدرك حقيقة النار قبل أن تطأها الأقدام وبجمرها تتلظى؟ ، هل إلى ذلك من سبيل أم أن حتفها أذهب عنها السمع والبصر ، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى ما فيه الخير والسداد .

هيبز التيه ..وسفور الشذوذ

بسم الله الرحمن الرحيم

هيبيز التيه .. وسفور الشذوذ..

"َأرَىَ مُلُوكاً لاً تًحُوطُ رَعِيَّةً..فَعَلاَمَ تُؤخَذُ جِزَيَةًٌ وَمُكُوسُ"


في مقدمة كتابه القران ومصطفى محمود – في طبعته الأولى 1971م أورد الأستاذ محمود محمد طه نصاً أجاب به على سؤال وجهته إليه مجلة الأضواء السودانية قال فيه : (فأما حاجة هذا العصر فإلى الهداية .. فإن البشرية لم تكن يوما في التيه كما هي اليوم .. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والاضطراب .. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والاضطراب .. هذا عصر (الهيبيز) .. جماعات من الشباب، من الجنسين، يزيد عددهم كل يوم، ويستطير شرهم كل يوم، حتى لقد عم جميع الأقطار .. يقوم مجتمعهم على الرفض، فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية، الآلية، مجتمع إنتاج واستهلاك، فقد الإنسان المعاصر فيه روحه، وقيمته، وحريته، واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك، فرفضوه، ورفضوا معه كل عرف، ودين .. وفزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة، فهم يلبسون المرقعات، ويسيرون حفاة، ويرسلون شعورهم، ويبيتون على الأرصفة، والطرقات، ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل .. هم يبحثون عن حريتهم، وعن إنسانيتهم، وعن فرديتهم، فلا يكادون يجدون غير الضياع، وغير القلق، وغير الاضطراب .. فهل عند مصطفى محمود إدراك واسع لهذه الظاهرة، واهتمام بها، وسعي لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصري؟؟)أ.هـ

حديث الأستاذ محمود عليه رحمة الله كان عن "هيبز أمريكا" لا "هيبز" السودان،حتى وإن قال إن شرهم عمَّ جميع الأقطار،فقد كان المجتمع السوداني آن ذاك إلى حياة الفطرة والسجية أقرب،فلم يطرق بابه رفضٌ جماعي، أو عدمية لا أخلاقية،على النحو الذي دأبت صحافتنا السودانية تنبه إلى خطورته في هذه الأيام الحالكات،الحيرة ،والقلق، وحياة الاستهلاك، وفقدان الإنسان لروحه وهدفه ، كل هذه السوءات أنتجتها في أيامنا هذه آليات لا تخفى على عين المراقب،لكننا للأسف صوحت عقولنا،وقصرت بنا عن إنتاج ما يعطل أثر تلك الآليات،التي انحرفت بمسار حياتنا الاجتماعية،والأخلاقية،إلى دروبٍ مشينة، أهلكت من قبلنا عاد وثمود وأصحاب المؤتفكة وقوم لوط، فهل من معتبر؟

طالعتنا صحيفة الصحافة،في عددها بتاريخ الاثنين 3 أغسطس 2010،بأن محكمة النظام العام بجنايات أم درمان وسط،شرعت في محاكمة تسعة عشر شاباً،تم ضبطهم بإحدى صالات المناسبات العامة،بأم درمان، وهم يحتفلون بتزويج شاب بآخر من بني جنسه...إلخ الخبر الفاجعة،وبما أن الموضوع لا زال محل إجراءات قضائية، فمن ثم لا يجوز لنا أن نتدخل فيه، أو نستبق الحكم عليه،وما لنا سوى أن ندعو الله أن تنتهي محكمة الموضوع إلى عدم ثبوت هذه التهمة الخطيرة الفاجعة،التي يندى لها جبين كل إنسان،ويقشعر لها من هو كظٌ غليظ،وإن صحت هذه التهمة،وثبتت، في حق من جوبهوا بها،فإنها بلا شك،تنذر بتحولٍ في منظومة القيم السودانيةً،إلى حضيضٍ تأفف المصلحون النابهون أن تتورط فيه إنسانية الإنسان،في أي بقعةٍ على وجه البسيطة ،ومن باب أولى أن يتأفف من التورط فيه أهل بلدٍ التقت فيه أسباب الأرض بأسباب السماء،ووهبهم الله من كريم الخصال،ما تغبطهم عليه شعوب العالم بأثرها، لكن للأسف،ما لنا سوى أن نقول،إن وزارة التخطيط الاجتماعي قد قصر بها الجهد عن بلوغ المقصد،ورسم الخطة الناجحة للحفاظ على منظومة الفطرة وسذاجة الطباع،التي ورثناها عن أجيال عاشت مفعمة بالرضا،ونامت قريرةً أعينها بالأمان النفسي،الذي وفره لها أباءُ صدقٍ تواصوا بالخير، ونشروا بينهم التقى والصلاح،كما الزهرة المعطار تنشر عبيرها بين الناس بلا تكلف،ولا منٍ ولا أذى.،ويظهر لي ،أن شقاوتنا حجبتنا عن ميراث أولئك التالدين الخوالد الذين عناهم الدكتور محمد ود بادي حين قال ( وكل فضيلة في الأجداد أبت ما تبقى في الأحفاد**مسكت في النعوش الصادقة واندفنت مع الجثمان **وكل مكارم العابرين معاهم راقدة في شبرين ).

والحق إن مكارمهم قد رقدت معهم ،وتوسدت الطوب تماماً مثلما توسدوه،كيف لا وها هو الحال انتهى بنا إلى أن تخطر لعقول بعض شبابنا فكرة عقد أنكحة الرجال على الرجال،في بلدٍ أخلص أهلها لديانات السماء ونشروا بينهم روح الفطرة وسلامة الطوية،بل حتى الوثنيين منهم تقيدهم سذاجة الطباع،وتأبى عليهم أن يسلكوا مثل هذه الدروب الشانئة،فوالله ما كان أبداً يخطر ببالي أن تتنقل إلينا هذه الفكرة التي رفضتها وأبتها على نفسها بعض منظمات الغرب المولع بإطلاق الحرية حد العبادة والتقديس ،وسمعنا عن محاصرتها في بعض البلدان العربية التي سبقتنا إلى قشور المدنية ،وكنا بسبب ثقتنا في طباعنا السمحة نعتقد أننا محصنين ضدها ،تعصمنا من ذلك روح "المسيد" الذي يترنم أهله بالقرآن،فتسمع لهم طنيناً كما النحل عند اشتيار الرحيق،وتمنعا من التورط في الشين "والدرين "صوفيتنا وروحيتنا التي لا زالت فينا تتجدد برجالٍ مثل البرعي وأحفاد البرهاني،"إبلي المشرفات وسمهن فاخر ينفعني درهن في يوماً آخر"، كنت أظن أنه ليس من بيننا من تغرر به مثل هذه الأفكار الشيطانية ما دام أن كنائسنا مستمسكة بكلاسيكيتها تقرأ في سفر الأوابين من كتابها المقدس أقوال الفضيلة " لا تضاجع ذكراً مضاجعة امرأة إنه رجس"، لكن للأسف فقد ظهر لي أن أحاديث التبريريين الذين يحاولون التأسيس لشرعنة هذا السلوك عبر شبكات التفسخ وفضائيات الغواية قد أصابنا منها طل،فقد درجت تلك الشياطين على بث سمومها عبر الميديا باسم التحضر والحرية الفردية وما إلى ذلك من البريق الخلب الذي يدس السم في الدسم،وكأني بالحرية قد انقلبت بقدرة قادر لتكون نوعاً من الارتكان إلى الشهوات المقيدة والنزوات المستعبدة لذات الإنسان وعقله وشعوره،في ثوبٍ من الاستغفال قشيب، فالإنسان الحر في حقيقة أمره لا يسمح لإرادته أن يقيدها سلطان العادة،ولا أن تنزو بها نزوات الأهواء ،وقد حكى لي أحد الأخوة في هذا المقام عجباً ، قال لي : إنه سمع من يحكي عن أحد العارفين من أهل السودان تأبيه على نفسه شرب الشاي والقهوة بعقيدة أن ذلك يحد من سلطان إرادته،وهو لا يريد أن يجعل على نفسه سلطاناً،ولا سيداً ،سوى رب العالمين،فَأعظِم بأولئك من رجال! ،وأكرِم بهم من هُداةٍ ثارت بذكرهم الركبان.

إن الميديا العالمية لا تألوا جهداً في التغرير بذوي الأهواء وضُمَّر العقول، فكم رأينا في القنوات الفضائية حديثاً فاضحاً،يحاول التبرير لسلوكيات الانحراف والابتذال، ويستجدي المجتمع باسم الإنسانية والرحمة والشفقة،للتسامح مع فئات انحرفت عن جادة الطريق ،وزيادةً في الضحك على العقول يحاول تصوير مثل هؤلاء على أنهم ضحايا،بدعوى أن البحوث النفسية انتهت إلى أنهم لا يد لهم في ميلهم نحو هذه الرغبات الشاذة،وهو أمرٌ كذبته الأبحاث الجادة المناهضة لنظريات فرويد التي شرعنت لهذا السلوك بأن صورت الشاذين على أنهم ضحايا لا يصح وصفهم بالشذوذ وإنما ينبغي على رأي فرويد أن يصنفوا ضمن المرضى الذين يجب أن يخضعوا للعلاج ،بزعم أنهم لا يد لهم ولا دخل لهم في سلوكياتهم المنحرفة،وأن أي شخص يوضع في مثل ظروفهم سيسلك حتماً نفس سبيلهم بلا زيادة ولا نقصان، هذا القول المخادع كذبته بحوث علماء التحليل السلوكي والنفسي الذين انتهوا في تفسير ظاهرة الشذوذ إلى أنها ظاهرة مكتسبة يتم تعلمها كأي سلوك سلبي أو إيجابي آخر وأن للبيت وسوء التربية القدح المعلى في التخلق بهذا الخلق الذميم،وما آراء العالم النفسي إيرنيج بيبر التي اعترض بها على فرويد في هذا الصدد على الناس بخافية.

وهب أننا سلمنا جدلاً بأن الشاذين مرضى وضحايا، فإذا كان الأمر كذلك فإن المرضى محلهم المستشفيات والمصحات،لا الفنادق وصالات الأفراح ،فمن ابتلى بتلك البلوى،فإنه ينبغي عليه أن يتلفع بالستر والمداراة،لا أن يسفر ويجاهر ببلواه، فالعلاج الناجح لهذه الظاهرة،ليس في الإفساح لها لتتنفس، وإنما في محاصرتها بالغائية الهادفة،وبعث الروح في النشء،بديلاً لهم عن العدمية التي ولدتها فلسفة موت الإنسان،التي أعلنها بعض فلاسفة الغرب المصدومين بنتاج ما بشرهم به فلاسفة عهد الأنوار الأوروبي،من أن العلم سيكشف لهم عن قناع نواميس الكون والوجود،لتصبح بذلك إرادة الإنسان هي الفاعلة في الكون والوجود،ووعدتهم كذباً بأن ذات العلم سيهديهم إلى معرفة نهاياتهم المصيرية ، ولما تلفتوا يمنةً ويسرةً وجدوها محض معرفة فيزيائية،لم تشف الغليل،لكنها فتحت عيونهم على الإنتاج ونهم الاستهلاك،ولم تقدم لهم أي حلول فيما يتعلق بالغائية وبالروح وخاتمة المصير ،فأتوا نتيجةً لذلك بنظرياتٍ وشعارات انتهت بهم إلى اعتناق فلسفة موت الإنسان العدمية،التي كان أبرع منظريها فوكو وهايدغر وألتوسير،وخاتمة بؤسها كان مُنّظِّر الوجودية جون بول سارت، صاحب الشعار العبثي "أفعل ما تشاء متى شئت وأين تشاء"،وحين فقد إنسان هذه الفلسفة العدمية غايته وهدفه،الذي من أجله يسعى،قال إنها حتمية الطبيعة،وتساوى لديه الخير والشر،وأصبح كل ما يأتيه من سلوكٍ، أو عملٍ،هو في نظره من وحي الطبيعة،ومن هنا جاءت التبريرات المسطحة لتقبل ظاهرة الشذوذ،وزواج المثليين،وصداقة الحيوان،على نحوٍ حيون العقل عند معتنقي هذه الفلسفة التائهة في ظلامية اللاجدوى، فنحمد الله كثيراً أننا لا زلنا نتأذى من غرابة مثل هذه الأفكار،وتتأفف نفوسنا من مجرد ذكرها،ناهيك عن اعتناقها أو الإفساح لها بيننا،على النحو الذي جرى في العالم الغربي الذي انفك كثيرون من أهله من عوالم الروح، ورحلت بهم سوائمهم النفسية إلى دركٍ من السوداوية والتعاسة والأسى،أقدموا معه على الانتحار،وباتوا بسببه يغبطوننا،أو يحسدوننا على الوثوقية العقدية،والروحانية ،التي نعب منها في حلقات ذكرٍ توحد القيوم،وتلهج ليل نهار بالصلاة على النبي الأمي الأمين ،فهلا شكرنا الله على نعمة ما نحن فيه من الأمان النفسي،ووضوح الهدف والمصير،وهلا تصدينا بجدٍ وحزمٍ إلى هذه السلوكيات المنحرفة،التي لم ترق بعد إلى مستوى الظاهرة،ومحاربتها،ومحاصرتها بكافة الوسائل،التي أرى أنه ينبغي أن يكون في مقدمتها،تثقيف عقول الشباب،ورفع مستويات إدراك علاقات الأشياء لديهم،وعندها بلا شك،سيصلون بتلقائية بديهية،إلى أن الإرث الذي تركه لهم أسلافهم،من تدين، وطرق صوفية ،وعلاقات روحية ..إلخ، هو السبيل الوحيد إلى إثراء قلوبهم،وإدخال الأمان والتطامن النفسي إليها،وكلنا أمل في أن تشمر وزارة التخطيط الاجتماعي،عن ساعد الجد،لبعث فضائل الأجداد، في هذا الجيل الحائر التائه،فإن قصرت عن ذلك فقد حُقَّ لنا أن نستنكر قصورها،ونردد القول مع حكيم المعرة،حاد البصيرة لا الإبصار:"وأرى ملوكاً لا تحوط رعيةً..فعلام تؤخذ جزيةً ومكوس"،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

الاثنين، 12 يوليو 2010

الإسلام السياسي السوداني بين الإبداع والإخفاق


الإسلام السياسي السوداني بين الإبداع والإخفاق.

بقلم خليفة السمري – المحامي
"1/7"
لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن أعلن حاكم دولة مسلمة – خلا أتاتورك – فصل الدين عن السياسة ،فقد ظل مبدأ شمولية الدين للسياسية مقرراً ومتبنى على الصعيد النظري ومنتصراً له على الصعيد الدوغمائي حتى وإن غاب عن الممارسة الفعلية ، وإذا تأملنا التاريخ الفكري الإسلامي وأمعنا النظر في كتب التراث في كافة عصور الدولة الإسلامية فإننا نخرج بنتيجة مؤداها أن الكتابات التنظيرية الفكرية والفقهية في باب الحكم والسياسة تكاد تكون في حكم النادر إذا ما قورنت بالموسوعات الضخام التي دونها فقهاء الإسلام في أبواب العبادات والمعاملات والقضاء ،فقد ظل التنظير السياسي يعاني الشح والنضوب وكان لذلك أثره السلبي على الأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها ، فالمتأمل في الإنتاج الفكري الإسلامي عموماً يلحظ إبداعاً في شتى فنون التأليف خاصة الفقه الإسلامي الذي كان له القدح المعلى والحظ الأوفر من الاهتمام ، فقد أبدع فقهاء الإسلام في أبواب فقه المعاملات والعبادات والأنكحة والقضاء أيما إبداع واهتموا بالنوازل والمستجدات فقعدوا القواعد الفقهية وفرعوا عليها المسائل حتى أنهم تجاوزا بالفروض واقع عصرهم وزمانهم وحسب المرء أن يلقي نظرة عابرة في أي كتابٍ فقهيٍ أو أصوليٍ من كتب المذاهب الإسلامية المعروفة لتنتابه دهشة يعقبها بلا شك كثيرٌ من الإعجاب والافتتان ،فأنت إذا تأملت كتاباً مثل موافقات الإمام الشاطبي - وهو كتاب في علم الأصول - فإنك لا محالة ستعجب لمنهجية المقاصد التي خطها صاحبه فيه وكيف أنه وفق للربط بينها في سماط تقعيدي يدل على عقلية فكرية فذة قلَّ أن يجود الزمان بمثلها ،وقل مثل ذلك عن مستصفى الإمام الغزالي الذي جاءت مقدماته ملخصةً للمنطق اليوناني "منطق أرسطو" بأسلوب ومنهجية قد يعجز عن إبداع مثلها من توافرت لهم أدوات البحث العلمي الحديث ،وقس على ذلك فنون الفقه واللغة والأدب والتاريخ والتراجم ..إلخ.
ومع كل هذا الإبداع في الفنون السابق ذكرها إلا أنك إن أدرت ناظريك تجاه التنظير السياسي في كتب التراث فإنك بلا شك ستصاب بخيبة أمل كتلك التي أصابت الشيخ علي عبد الرازق حين ولج هذه المغارة ينقب فيها عن آثارٍ ظن أنها توارت عن ناظريه بين كثيف الظلام والإعتام ، فمكث أعواماً عديدة ينقب ويسلط عليها الضوء يحفزه إلى ذلك قلق العلماء ويحدوه شوق العارف إلى البحث عن مزيد من المعرفة ، إلا أنه عند ظفره بحقيقة موضوع بحثه خاب أمله وطفق يردد قول المتنبي : طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ هربت منه بآمالي إلى الكذب، قال الشيخ علي عبد الرازق في مقدمة كتابه أصول الحكم " وليت القضاء بمحاكم مصر الشرعية منذ ثلاث مائة وألف هجرية "1915م" فحفزني ذلك إلى البحث عن تاريخ القضاء الشرعي، والقضاء بجميع أنواعه فرعٌ من فروع الحكومة وتاريخه يتصل بتاريخها اتصالاً كبيراً وكذلك القضاء الشرعي ركن من أركان الحكومة فلا بد لمن يدرس تاريخ ذلك القضاء أن يبدأ بدراسة ركنه الأول ،أعني الحكومة في الإسلام ،وأساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة والإمامة العظمى – على ما يقولون – فكان لا بد من بحثها ،شرعت في بحث ذلك كله منذ بضع سنين ،ولا أزال بعد عند مراحل البحث الأولى ، ولم أظفر بعد الجهد إلا بهذه الورقات ،أقدمها على استحياء ،إلى من يعنيهم ذلك الموضوع"أ.هـ كلام الشيخ علي عبد الرازق.
والحق يقال إن كتب التراث الإسلامي تعاني شحاً ظاهراً في باب التنظير السياسي ،ونضباً واضحاً لا يخفى على عيان أي باحث فقد ظل باب الحكم أو ما يسميه السلف "السياسة الشرعية" ، ضامراً ومنحصراً في مؤلفات قليلة تكاد تكون متشابهة ومتطابقة ،ولا تعدو أن تكون تقعيداً للأمر الواقع هذا إن لم يكن فيها كثيرٌ من التبرير للحاكم ،ومن أشهر المؤلفات التي كتبت في هذا الباب الأحكام السلطانية للماوردي،والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء والسياسة الشرعية لأحمد بن تيمية الحراني ،هذا إلى جانب بعض مؤلفات يحاول البعض تصنيفها في باب السياسة الشرعية مثل كتاب "الخراج" لأبي يوسف صاحب أبو حنيفة مع أن تصنيفه في فن المال والاقتصاد أجدر،و "سراج الملوك" للطرطوشي " الذي هو إلى الوعظ والإرشاد أقرب، ومما يثير العجب في هذا الباب أن مقدمة ابن خلدون على رغم إبداعها في تحليل التاريخ واستخلاص قوانين طبيعية منه إلا أنها خلت من أي تنظير سياسي سوى باب واحد يتطرق للملك ولمراحل تدهور الدولة وهذا الباب الذي كتبه ابن خلدون في هذا الصدد لا يعدو أن يكون ملاحظات على التاريخ استنبط من خلالها قوانين تاريخية يقول إنها حتمية لا بد أن تمر من خلالها أي دولة أو نظام سياسي من مرحلة ميلاده إلى مرحلة موته وفنائه.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام، هو، ما هي الأسباب التي أدت إلى ضمور الإبداع والابتكار وقلة التأليف عند السلف في باب السياسة الشرعية على أهميته ومساسه المباشر لحياة الناس ومعاشهم، ولماذا لم يظهر بينهم تنظير مثل ذلك الذي ساد عصر التنوير أو عصر الأنوار في أوربا ؟.
الرأي عندي، بما يشبه اليقين ،أن الحجر الفكري الذي مارسه الساسة والسلاطين على العلماء والفقهاء كان له أثره في تقوقع الإبداع والتنظير في الفكر السياسي الإسلامي جميعا، فالملاحظ أن الكتابات التي أنجزت في هذا الباب كانت رتيبة ومتشابهة ،ومضمونها جميعها يتفق على أمرٍ واحد وهو تقعيد الأمر الواقع لغرض تبرير مشروعية السلطان ،وللأسف حتى تهويمات المدن الفاضلة الإسلامية لم تخلو من مثل هذا الأمر ،فأنت إذا نظرت في مدينة الفارابي الفاضلة لا تجدها تخلو من تبجيل للحاكم المطلق السلطات، والذي يجب في نظر الفارابي أن يكون حكيماً ، مع أن الحكمة والدكتاتورية أمران قل أن يجتمعان ،فضلاً عن أن مشروع مدينته الفاضلة لا يعدو أن يكون نقلاً من أفلاطون مع حسن تصرف، وابن رشد على الرغم من أنه لخص كتب أرسطو وهو فيلسوف الإسلام المشائي الأول الذي اتخذه الغرب وسيلة وصل بينه وبين الفلسفة الإغريقية ، مع كل ذلك فإنه لم يبدع في مجال التنظير السياسي ما يمكن أن يرقى إلى المؤمل من طاقة جبارة مثله. "يتبع"

"2/7"
جاء التنظير السياسي في كتب التراث الإسلامي ذابلاً نحيلاً يشكو الجوع والإعياء ،والسبب في ذلك أن الذين نظروا في هذا الباب قد نظروا محفوزين من الساسة والسلاطين ليبرروا لهم سياساتهم، أو ليوجدوا لهم نوعاً من المشروعية يقنع بها العقل "المستقيل" –اذا ما استعرنا اصطلاح الدكتور محمد عابد الجابري عليه رحمة الله - وتلوكها ألسنة الدهماء ويؤمن بها عامة الناس إيماناً على حد تعبير الإمام الغزالي يضاهي إيمان العجائز.والملاحظ أن المشاريع الفكرية والتنظيرية التي تصدر بناءً على طلب السلاطين نادراً ما يحالفها التوفيق خاصة إذا ما كان الغرض منها التبرير للحاكم وخدمة الإيديولوجيا التي يعتنقها، ودوننا في ذلك كتاب النهج الإسلامي لماذا ؟ الذي ما اندفع كاتبه الحقيقي لتحبيره إلا إرضاءً وإشباعا لرغبة الرئيس نميري فاكتنفه بسبب ذلك هزالٌ لا تخطئه عين المبصر، وعن أسباب مثل هذا الضعف الفكري يحكي لنا الكواكبي في ص " 32 " من كتابه "طبائع الاستبداد"- طبعة دار النفائس أنه ( لاحق كلب الصياد يوماً أرنباً فعجز عنه ،ولم يستطع إدراكه ، فسأل الكلب الأرنب ، كيف تسبقني ،وأنأ أقوى منك ؟، فأجابه الأرنب : إني أعدو لحساب نفسي وتعدو لحساب صاحبك)، فالعدو لحساب الغير هذا هو الذي أضعف التنظير السياسي التراثي الإسلامي في باب الحكم والسياسة،وحال بينه وبين الإبداع في بابٍ من أهم الأبواب ، فأصبح بذلك عاجزاً لا يحر لنفسه فكاكاً من فلك الأمراء والسلاطين،وللأسف ظل الأمر على هذا النحو حتى يوم الناس هذا في كثيرٍ من البلدان العربية والإسلامية إلا من رحم ربي،ذلك أن أي مفكر أو فقيه إسلامي يحاول تأصيل نظرية سياسية أو اجتماعية يسترشد فيها بقيم الحرية والعدالة والحقوق المتساوية بما يعارض هوى الحاكم فإنه بلا شك يعرض نفسه لمضايقاتٍ قد تصل أحياناً إلى التآمر والقتل طالما أن إبداع ذلك الفقيه أو المفكر يمس مشروعية الحاكم أو ينبه العقول ويوقظها من نومها وثبات استقالتها، إلى أن استقرت في أذهان الناس مقولة أن الخروج على الحاكم ولو كان فاسقاً يعد كبيرة من الكبائر بمبرر أن الخروج عليه فيه إذكاء للفتنة وتأجيج لنارها, هذا إذا علمنا أنه بعد الخلفاء الراشدين الأبكار لم يتسنم في التاريخ الإسلامي كله أي أمير أو سلطان السلطة عبر وسيلة الشورى وإنما كان السبيل إليها دوماً الغلبة والتغلب بالقوة والعصبة والسيف ، ونظرة واحدة في تاريخ الدولة الأموية أو العباسية أو حتى دويلات الأندلس..إلخ تكفي لإثبات هذا الزعم والتأكيد على صحته.
مع كل هذا الحجر الفكري على الفقهاء والعلماء، فإن أهل السياسة لم يتورعوا من استغلال ضعاف النفوس من الفقهاء والعلماء والمفكرين في تبرير كثير من مشاريعهم السياسية ، ولو أننا ذهبنا نتحسس ذلك في كتب التراث لوجدنا منه الكثير، فللأسف كان أهل الملك والسلطان في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي بمثابة الدينمو المحرك لكثيرٍ من الآراء الفقهية والكلامية حتى وإن بدت في ظاهر أمرها لا علاقة لها بالسياسة والسلطان ،فالجبرية على سبيل المثال يصنفها أهل العلم الشرعي في باب علم الكلام "مباحث اللاهوت وأصول الدين " مع أنها في حقيقة أمرها – على رأي كثيرين - لم تكن سوى التفاف سياسي على الدين مرر من خلالها الأمويون خطابهم السياسي وضيقوا باسمها الخناق على معارضيهم وأفحموهم بمنطق القضاء والقدر،ذلك أن عقيدة الجبر بنيت على مبدأ أن الله قضى وقدر كل شيء في أزله وسابق علمه وكتابه،وأنه من بين قضاء الله هذا أنه جعل أمر الخلافة في بني أمية فمن ناكفهم في أمرهم هذا فإنه جاحد ومارق لحال كونه معترض على مشيئة الله التي قضت بأن يكون أمر الخلافة منحصرٌ في أولئك الأئمة المصطفيين،وبذلك يكون الحاكم قد استمد مشروعيته مباشرةً من الله تماماً مثل حكام أوربا في القرون الوسطى الذين أنتج لهم التبريريون مشروعية أسندوها إلى ما عرف في التاريخ الأوربي بنظرية الحق الإلهي.
جدلية الصراع مع هذا التيار السياسي الإسلامي الجبري أنتجت التيار القدري الاعتزالي كرد فعل طبيعي تبنته معارضة بني أمية ممثلة في بني العباس ومن نحو نحوهم ،فكان الاعتزال بذلك هو الآخر شارة دينية تذرت بها قوى سياسية أخرى طامحة إلى الحكم مطيتها وأداتها إلى الخلافة القول بأن أفعال العباد حادثة وهي من خلقهم هم ولا دخل للمشيئة الإلهية بها،ومن هنا جاء القول بالتخيير لضرب ثيوقراطية الدولة الأموية،وما أن استتب الأمر لبني العباس حتى عادوا على عقيدة التخيير ينبذونها حتى أن أبا جعفر المنصور جعل من نفسه ظلاً لله أميناً على خزائنه في الأرض يفتحها لمن يشاء بمشيئة الله ويغلقها على من يشاء بمشيئة الله أيضاً،وعلى هذا النحو ظلت العقيدتان الجبرية والقدرية التخييرية تتعاوران الأمر في دولة بني العباس حسب المصلحة السياسية للحاكم،فقد رأينا كيف أن المأمون رفع من عقيدة الاعتزال ونكل بخصومها وعلى رأسهم أحمد بن حنبل أشد التنكيل وسرعان ما انقلب عليها المتوكل على نحوٍ أدى إلى استقالة العقل الإسلامي إلى يوم الناس هذا. "بتصرف من كتاب العقل السياسي العربي لمحمد عابد الجابري".
أيضاً إذا دلفنا تلقاء الخطاب الشيعي الذي يقول بعصمة الأئمة نجده هو الآخر أوجد من هذه العصمة شارةً دينية أعلن من خلالها مشروعيته وأحقيته بالخلافة، فلا عصمة في نظر هذا الاتجاه السياسي إلا للأئمة المصطفيين من آل البيت ،وعليه فإن خروج الأمر منهم إلى سواهم يدخل في نظر هذا الاتجاه في باب الكبائر ، وقس على ذلك عقائد الخوارج والحشاشين والجهمية والأزارقة ..إلخ قائمة الصراع السياسي المتلفع بلباس الدين.
ولا أدل على تلفع السياسة وأهل السياسة في عالمنا الإسلامي بجلباب الدين من التفسيرات والتأويلات العديدة التي جرت لحديث " الأئمة من قريش" الذي صححه البخاري، فالقرشي من أهل السياسة احتج لمشروعيته في تولي الحكم بحرفية نص هذا الحديث ،ورأى عدم جواز خروج أمر الخلافة من قريش القبيلة المعروفة إلى من عداهم،واحتج بهذه الحرفية النصوصية على غير القرشيين من المسلمين بل رأى في هذا الحديث قيداً على إطلاق حديث "اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبدٌ حبشي"، إذ رأى بعضهم أن هذا الحديث الأخير للحث على وجوب طاعة ولي الأمر والانقياد له لا أكثر من ذلك.
أما غير القرشيين من أهل السياسة فقد أخذوا يتأولون حديث "الأئمة من قريش" بتخريجات لغوية وظفوا فيها التأويل الديني لخدمة أغراضهم وأهدافهم السياسية الزمنية واستغلوا في تأويلهم هذا العلماء حتى ولو كانوا عرباً قحا يتحدورن من قريش نفسها، ولا أدل على ذلك من التخريج الخلدوني الذي ذكره عبد الحميد متولي في كتابه في القانون الدستوري الإسلامي بشأن هذا الحديث، فقد تأول ابن خلدون "حديث الأئمة من قريش" تأولاً لغوياً رأي فيه الكثيرون شيئاً من الشطط حين قال إن التقرش لغةً يعني التأسي بالعصبة والقبيلة ،ومن ثم فإن أمر الخلافة يكون لمن كانت له عصبية غالبة ولو لم يكن قرشياً من حيث الدم والنسب،وبهذا التأويل بنى غير القرشيين لأنفسهم شرعية تمكن الكثيرون منهم من خلالها من الوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيه زمناً طويلاً والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة ومشهورة ،وأشهر من برر شرعيته على هذا النحو آل عثمان من الأتراك.بل يرى كثيرون من هذا المنطلق أن موقف الأزهر من كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق كان مدفوعاً بتطلعات الملك فؤاد للخلافة،وأن الضجة حول الكتاب كانت سياسية أكثر منها دينية كما حاول خصوم الشيخ عبد الرازق تصويرها، فالرأي الراجح لسبب تلك الضجة أنه بعد انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية في العام 1921م وحلول الأتاتوركية محل السلطان عبد الحميد الثاني آخر خلفاء بني عثمان، تطلع كثيرون لشغل هذا المنصب الذي يجمع بين أمري الدين والدنيا وكان من بين هؤلاء المتطلعين الملك فؤاد ملك مصر،الذي حرص على الظفر بهذا المنصب حتى إنه ليقال أنه لهذا الغرض اصطنع لنفسه نسباً من جهة أمه مع أشراف آل البيت ، فلما جاء الشيخ عبد الرازق ببحثه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" الذي حاول فيه نسف أمر الخلافة من أساسه و التأكيد في نتائج بحثه على أن منصب الخلافة ليس منصباً دينياً كما هو أمر بابا الفاتيكان بل هو في نظره منصب زمني يتبدل أمره وتتغاير شروطه وضوابطه بتغير الأزمان وفق مصلحة المسلمين ، وهذا ما أثار عليه حفيظة الملك فؤاد الذي لم يترفع عن الإيعاز لبعض علماء عصره من التصدي لكتاب الإسلام وأصول الحكم ،فصدرت فتاوى كثيرة من بعض علماء الأزهر الشريف في هذا الشأن بعضها بحق وبنهج معرفي وأغلبها بدافع الهوى والخصومة ،وانتهت هذه الضجة الكبرى بمصادرة الكتاب والتوجيه بحرقه ومنع نسخه من التداول بين الناس ، وهذا مثال واضح على الحجر الفكري الذي فرضه أهل السياسة على الفقهاء وعطلوا به نمو الفكر السياسي الإسلامي وتطوره ،وهو أمرٌ كان له أثرٌ سيئ على التجارب المعاصرة التي حاولت إقامة نظم سياسية إسلامية ،بل كان سبباً مباشراً في فشل معظم تلك المحاولات الإسلامية السياسية لبناء دولة إسلامية معاصرة. ”يتبع".
"3/7"
ذهبت فيما سبق إلى القول بأن الهيمنة وشمولية الحكم هي التي منعت الفكر السياسي الإسلامي من أن ينهض ويتطور على نحوٍ طبيعي ،وأردت أن أخلص من ذلك إلى نتيجة مؤداها أن الاستبداد السياسي هو الذي أوجد هذه التقية التي يتعامل بها كثيرٌ من الفقهاء والعلماء وأهل العلم الشرعي مع الملوك والأمراء وأرباب النفوذ والسلطان ، لكن هناك سؤالٌ يفرض نفسه في هذا الموضع ، ومؤدى السؤال، يا ترى ما الذي مكن العالم الأوروبي من إبداع نظريات سياسية ظلت تتطور جيلاً بعد جيل،مع أن هذا العالم الأوربي هو الآخر حكمته أنظمة ملكية مستبدة إلى جانب هيمنة كنسية دينية كانت تعد على الناس أنفاسهم بممارستها لطقوس الاعتراف والغفران التي ذلت لها نفوس المسيحيين في العالم الأوربي وخضعت، خاصةً في القرون الوسطى، والسؤال الذي يفرض نفسه أيضاً في هذا المقام ، لماذا استطاع المفكرون الاجتماعيون في الغرب تجذير نظرياتهم وأفكارهم التنويرية في الواقع الاجتماعي الأوروبي لتصبح أساساً للبناء السياسي للدولة في الوقت الذي فشل فيه علماء العرب والمسلمين؟.
إجابةً على هذا السؤال أرى – وهو رأي قابل للتصحيح والتصويب – أن الفارق بين أمرنا وأمرهم كان كبيرٌ جداً ، فمجتمع القرون الوسطى في الغرب الأوروبي كانت الهيمنة فيه تقوم على تحالف بين الكنيسة وأهل السياسة مع وجود توازن في القوى منع تغول كلا الطرفين على ما هو حق للطرف الآخر،عملاً بنظرية ما لله لله ،وما لقيصر لقيصر، وبين أهل السياسة وأهل الدين هؤلاء انفتح هامش حرية لأهل الفكر ليدلوا بدلوهم ، ويطوروا أفكارهم ، وهذا لا ينفي أن كثيرين من المفكرين الاجتماعيين في عصر الأنوار قد لاقوا عنتاً ومشقة ودفعوا أثماناً غالية لقاء الجهر بأفكارهم الإصلاحية ،فقد وصل الأمر إلى تعرض بعضهم للمحنة والقتل والتحريق بتهم الهرطقة والخروج على الدين ، إلا أن كل هذه المعاناة لم تكن سوى تجذير للجديد في ذات التربة القديمة – تربة توازنات القوى – استوى هذا التجذير على سوقه يوم استوى فأدى إلى ثورات عارمة أعادت ترتيب الأمور وفق أسس وأطر جديدة ظلت تتطور هي الأخرى إلى أن وصلت إلى ما نراه اليوم في عالم السياسة الأوروبي والغربي عموما،كل خطوة تؤدي إلى ما بعدها إلى أن وصل الحال بهم إلى المنهجية البرغماتية التي تعتمدها معظم دول العالم الغربي اليوم.
هذا التوازن بين السياسي والديني افتقدته التجربة السياسية الإسلامية- إلا نادراً- وكان لذلك أثرٌ ضار على فكرة الدولة الإسلامية وإنزالها إلى أرض الواقع على نحوٍ ناجحٍ وموفق، فالملاحظ في التجربة السياسية الإسلامية أن الغلبة كانت للساسة الأمراء على أهل العلم والفقه والفكر والدين ، لا ،بل إن الدين دار عندنا في فلك السياسة إلا نادراً والتفت هي في ثيابه تحت فكرة شمولية الدين لأمري الدنيا والآخرة ،التفافاً ماكراً تم فيه توظيف طائفة علماء الدين لخدمة أهل السياسة الزمنية على نحوٍ لم يأبه له الأولون ، وهذا ما حدا بمحلل اجتماعي وتاريخي مثل ابن خلدون أن يفرد باباً كاملاً في مقدمته لمناقشة هذه الظاهرة ،تحت عنوان "فصلٌ في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين في الجملة" ، وهو يعني بقوله هذا ، أن الحاكم لا يستتب له أمر الحكم إلا إذا توسل إليه بما هو مثالٌ متعالٍ "الدين" ، وهذا التوسل يجعل أمر الدين طوع بنان الحاكم يفسره ويؤوله لمصلحته عبر ضعاف النفوس من الفقهاء والمفكرين الذين يميلهم إلى جانبه بمغريات الدنيا وجزيل الهبات والعطايا ليعطوا سياسته الزمنية شرعيتها عبر الدين ،وهذا في المقابل يجعل معارضة مثل هذا الحاكم أمراً عصياً ،ما لم يجنح المعارض هو الآخر إلى تفصيل شارة دينية لنفسه يتأول فيها ذات دين الحاكم على نحوٍ يخدم معارضته بعيداً عن المفهوم الزمني البرغماتي للمعارضة،ولا شك أنه في مثل هذا الصراع المتدثر بالدين تكبت أي محاولة لتفكير عقلاني حر، هذا إذا ما علمنا ضرورةً أن الإبداع الإنساني لا يمكن أن يزدهر أو يثمر إلا في ظل الحرية الفكرية التي تكفل للعقل الموضوعي الناقد الانطلاق نحو البحث والتأمل والتجريب والاختبار ،وبهذا وحده تتوفر له أسباب التعلم من الخطأ ،وبهذا وحده يمكن له إنتاج وسائل وأدوات يحل بها إشكاليات السياسة والاقتصاد والاجتماع..إلخ المشكلات التي تواجهه.
لقد كان نضوب المعين الفكري السياسي الإسلامي وغياب الإبداع في هذا الباب ، هو السبب المباشر - في نظري-الذي أدى إلى فشل مشروعات الإسلام السياسي ومنعها من ملامسة أرض الواقع لإنتاج دول ناجحة وتأسيس نظم إسلامية طموحة تخرج بالمصحف من المسجد إلى حيز الممارسة والتطبيق في حياة الناس وأمر معاشهم، فالرأي عندي أن حسن النوايا وحده لا يخدم القضايا،فمثلاً لا يمكن لفكرة متناقضة أن تنتج مشروعاً ناجحاً ولو صدقت نية صاحبها ،وأعني بالتناقض هنا،التناقض السافر الواضح للعيان ، لا التناقض الجدلي الذي لا تخلو منه أي فكرة على رأي المنهجية الهيجلية التي استعارها ماركس لتحليل التاريخ، وأقصد من كل ذلك أن أنتهي إلى نتيجة مؤداها أن المشروع العملي الناجح لا بد أن تسبقه فكرة جيدة معافاة من الشيزوفرينيا والانقسام الفكري ، أياً كان هذا المشروع ،اجتماعي ،ثقافي ، سياسي..إلخ. "يتبع".
"4/7"
بناءً على التوطئة التي أوردتها في الحلقات السابقات فإنني أحاول قدر المستطاع الاقتراب من التجارب السياسية السودانية المعاصرة التي اتخذت من الإسلام مشروعاً سياسياً لها، وهدفي من هذا الاقتراب الوقوف على مدى واقعية هذه التجارب ومدى إبداعها في تعاطيها مع مبادئ الإسلام ، بل ومدى صدقها فيما بشرت به ، وهل هي تسامت بالظرف والواقع لتصعد به إلى تعالي الدين ثم النزول بهذه الأفكار لإقامة الدولة الإسلامية على تراب السودان ، أم أنها فقط تدثرت بالدين لتحقيق مآرب وأهداف سياسية زمنية اتخذت الإسلام وسيلة لتحقيقها ،إيماناً منها بمقولة ابن خلدون "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثرٍ عظيم من الدين في الجملة".
سعياً وراء هذه الغاية فإنني أدلف تلقاء التاريخ السوداني الحديث استنطقه وأحاول اختزال بعض وقائعه لأحللها – على قدر وسعي وجهدي في التحليل – وأبدأ الولوج في هذه المغارة الغير مأمونة العواقب بنموذج الدولة المهدية التي قادها الإمام محمد أحمد المهدي عليه رحمة الله، وقد حثني لانتقاء نموذج الحركة المهدية أمورٌ عديدة منها:-
1- أن القيادة المهدية تبنت الطرح الإسلامي منذ انطلاقة شرارتها الأولى ،مستفيدةً في معارضتها لنظام الخديوي من فكرة المهدي المنتظر الثابتة في العقيدة الإسلامية، إذ يلفت النظر أن الثورة المهدية لم تتوسل في معارضتها للنظام الحاكم وقتئذٍ لا بالقومية ولا بالقبيلة والعشيرة على النحو الذي جرى في تحالف الفونج والعبدلاب عند تأسيس المملكة السنارية ،أو على النحو الذي جرى في تأسيس مملكتي الفور والمسبعات أو ممالك شمال السودان ذات الطابع الإسلامي، والتي تم تأسيسها جميعها تقريباً على نظام القبيلة الضارب بجذوره في البيئة الاجتماعية السودانية.
2- من الأسباب التي حثتني لاختيار هذا النموذج أيضاً النجاح الباهر الذي حققته الحركة المهدية والذي لا يتناسب أبداً مع إمكانياتها الزمنية إذا ما قيست بإمكانيات خصومها السياسيين الذين استتب لهم أمر الحكم في السودان منذ العام 1821م.
3- من الأسباب اللافتة للنظر أيضاً في نموذج الحركة المهدية،أنها استطاعت تأسيس دولة وفق تأويلها الخاص للإسلام ،ذلك أنها طبقت الشريعة وفق رؤى وتفسيرات قيادتها التي لم تلزم نفسها بأي مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة،ولم تركن إلى اجتهاد إي فقيه من فقهاء الإسلام السابقين عليها ، وتبنت بدلاً من ذلك مبدأ " أن ما فيه نصٌ فعلى العين والرأس وما ليس فيه نص فهم رجال ونحن رجال"،وبذلك فتحت الباب لنفسها واسعاً فيما يتعلق بقراءة النصوص بما يتواءم مع الزمان والمكان ،وهذا في نظري هو سر النجاحات التي حققتها الحركة على أيام الإمام المهدي.
لهذه الأسباب مجتمعة رأيت أن الحركة المهدية تعتبر من أفضل النماذج المعاصرة التي يمكن الولوج من خلالها إلى الإسلام السياسي عامةً وإلى الإسلام السياسي السوداني بوجهٍ خاص ، وهي أي - الحركة المهدية – لم تكن في حقيقة أمرها سوى ردة فعل طبيعية للظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستبداد الذي تعرض له أهل السودان الشمالي والوسيط من نظام الخديوي المهيمن على حكم السودان وقتئذٍ ،وبما أن النظام الخديوي اعتبر نفسه امتداداً ولو اسمياً لدولة الخلافة التركية الإسلامية فإنه كان من الصعوبة بمكان التصدي له بمعارضة سياسية زمنية برغماتية حال كون أن مثل هذه المعارضة تضع المعارض أمام سيل من فتاوى البغي والمروق على أصل الخلافة الثابت في الدين ، هذا إن لم يبلغ الأمر حد التكفير ، فكما قلنا سابقاً إنه لا يجوز في نظر علماء السلطان الخروج على الحاكم المسلم حتى ولو كان فاسقاً وظالماً لكون ذلك في نظرهم يؤجج الفتنة ويشق صف جماعة المسلمين وأكثر من ذلك يرون فيه خروجاً صريحاً على قوله تعالى " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ، ويرون فيه أيضاً مخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم "اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبدُ حبشي" الحديث.
هذا الجدار السميك الذي أقامته السلطة الحاكمة وقتئذٍ حول نفسها ،والذي صنعت لبنه من الدين لتبرير ظلمها واستبدادها ما كان يمكن للإمام المهدي أن يوجد ثغرة فيه إلا بمنازلة السلطة بذات سلاحها ،وهذا في ظني هو سبب نجاحه في حشد الجماهير السودانية حول برنامجه السياسي، وهو بهذا استفاد من معطى الدين سياسياً ، ونجح في مهمته في المعارضة يوم أن أعلن على الملأ من أول يوم أنه مهدي الله الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً باسم دين الله وباسم الخلافة المستقوية على المستضعفين من أهل السودان بالإنجليز.
هذه الفكرة الضاربة بجذورها في عقيدة الأمة "فكرة المهدي المنتظر" حفزت الناس للالتفاف حول الإمام المهدي، إذ رأوا فيه منقذاً لهم من الظلم الذي حاق بهم ،ومخلصاً لهم من الضرائب التي أثقلت كاهلهم ،وقد استطاع الإمام المهدي بهذه الفكرة الدينية أن يوجد للناس مبرراً دينياً في الخروج على حاكمهم المهيمن عليهم باسم الدين والخلافة، فكان شعار المعارضة في مواجهة هذه الهيمنة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا ترتب عليه أن رجعت فتاوى علماء السلطة في مواجهة المعارضة خائبةً مهزومة ، في معركة عرف الإمام المهدي كيف يوظف فيها الدين لمصلحة مشروعه السوداني الإسلامي المتطلع إلى الاستقلال،وقد بدا الرجل صادقاً في مشروعه حين تبنى الإسلام في منهجيته لبناء الدولة بصورة شمولية تأففت عن التورط في الانتقائية والتجزيء ،فأعلن الجهاد المقدس من أول يوم ، حين رأى في خصمه التورط في خلة الاستعانة بالكفار " الإنجليز" ، ومخالفته الصريحة لقول النبي "ص" للذي تبعه يوم أحد وهو على شركه "أرجع فإني لا استعين بمشرك" ،وبهذه المعاني الدينية استطاع الإمام المهدي أن يوحد أهل السودان الشمالي والوسيط وأهل كردفان والشرق في مواجهة حكم الخديوية ،فكتب له الانتصار عن طريق فكرة المهدية المتطلعة إلى إقامة دولة إسلامية تتحرر من كافة آراء الفقهاء خاصةً فقهاء السلطان الذين ناهضوا دعوى الإمام بفتاوى لم توفق في هزيمة مشروعه الوطني، وحين كتب الانتصار للحركة وطردت المحتل الإنجليزي المصري أرسى المهدي دعائم دولته على فهمٍ خاص به لنصوص الإسلام تحرر فيه من كافة قيود المذاهب الإسلامية ، مطلقاً مقولته الشهيرة " ما ورد فيه نصٌ فهو على العين والرأس وما لم يرد فيه نصٌ فنحن رجال وهم رجال" ، وهذا الفهم التحرري لا شك أنه أعطى الإمام المهدي إمكانيات مرنة لمواجهة واقع الزمان والمكان الذي وجدت فيه دولته ، مع استصحاب ما تواتر من عمل الدولة الإسلامية على أيام النبي "ص" والخلفاء الراشدين ، فهذا الاستصحاب جعل الإمام يختار عبد الله ودتورشين خليفةً له رافضاً بذلك ما تواتر عليه المسلمون بعد الراشدين من توريث الملك والخلافة ،وهذا فيه دلالة على أن الإمام كان يعتقد في فكرة المهدية وإقامة الدولة الإسلامية اعتقاداً صادقاً كمخلص للمسلمين من مشاكلهم الدنيوية والأخروية.
وبعد وفاة المهدي حاول الخليفة عبد الله إدارة الحرب والدولة على هذا النمط المترسم لخطى دولة النبي "ص" ، فبدأ بقتال الديار المجاورة تمشياً مع الآية "قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" فسير الجيوش إلى الحبشة ومصر الإنجليزية بقيادة النجومي وأقام القضاء الشرعي وفق تفسيرات المهدية للنصوص الشرعية إلى أن وصل بالدولة الحزم في أمر القضاء إلى تعزير متعاطي "التمباك" والتباكو، لكن بعد فترة وجيزة من عمر الدولة بدأ صراع الجاه والمال والسلطان يطل برأسه بين جناحي الخليفة والأشراف، فتولدت صراعات جهوية لم يستطع الطرح الديني أن يقطع شأفتها، فعلى الرغم من أن الدولة المهدية عاشت وحدة فكرية خلت من الانقسام النفسي والشيزوفرينيا السياسية ،إلا أنها للأسف لم تستطع تجاوز أزمات الصراع الجهوي الذي حركه تعارض المصالح والبحث عن المجد على طريقة ابن خلدون التي وضح فيها أن المعارضة ما أن تصل إلى الحكم حتى يتطلع بعض أفرادها إلى المجد ، ويتصارعوا إلى أن يستتب الأمر لبعضهم فيمجدوا ثم تتولد معارضة جديدة تأخذ هي الأخرى حظها من هذا الدور ،وهذا هو تحديداً ما حدث في الدولة المهدية بعد موت الإمام المهدي، فكثيرٌ من الأشراف والسودانيين الآخرين الذين عارضوا حكم الخليفة عبد الله لم تعد مسألة إرجاعهم إلى كنف الدولة بسلطان الدين فكرة عملية أو جاذبة بعد أن ولج التدافع الزمني البرغماتي إلى حلبة الصراع ،وأظن أن من بين أسباب هزيمة الخليفة عبد الله في كرري أن فكرة العقيدة المهدوية ماتت جذوتها بعض الشيء في نفوس الكثيرين من أهل السودان خاصة السودان الوسيط "الجزيرة" والشمالية، فبعضٌ من السودانيين رأى في الخليفة رجلاً منحرفا عن العقيدة المهدوية إلى الجهوية والقبيلة ،وبعضٌ آخر روج إلى أنها –أي المهدوية- لم تكن سوى فكرة تضليلية استثمرها الإمام لإنجاح مشروعه وضرب خصومه ،خاصةً بعد أن سعى آخرون إلى الترويج لأنفسهم والإدعاء بأنهم هم الآخرون مهديين منتظرين،ومن باب التشكيك هذا ولجت شياطين التخذيل تفت في عضد دولة الخليفة الذي فشل في توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المحتل،وبانهيار الجبهة الداخلية أستطاع الغزو الخارجي السيطرة على أوضاع البلاد بيسر لا عناء فيه خاصةً في ظل اختلال ميزان التسليح بين دولة الخليفة والغزاة، وهكذا انتهت الدولة المهدية التي طرحت مشروعاً فكرياً تقدمياً في منهجه لبناء دولة إسلامية في السودان،وفي نظري أن من أخص أسباب فشل هذا المشروع أن منهجية الإمام المهدي في قراءة النصوص لم تجد من يطورها بعده لمواجهة تحديات الواقع،أو قل لم تجد من يعملها في النصوص للخروج منها بحلول للمعضلات والمشكلات،وفي قناعتي أن أي فكرة أو منهجية تقف عن التطوير فإن مآلها الجمود والتحنط وعدم الفاعلية، فأي متأمل في الحركة المهدية يستطيع أن يلحظ بسهولة ويسر مدى الفاعلية التي كانت تتمتع بها فكرة المهدوية أيام شباب الحركة، ويلحظ كيف أن حرارتها جعلت الدين فاعلاً في النفوس ومفجراً للطاقات على نحو أدى إلى هزيمة دول منظمة وإخراجها طريدةً ذليلة من البلاد ، فلما ماتت الجذوة والفاعلية وانطفأ البريق رحلت كل فراشات الطلاقة الجهادية تبحث لنفسها عن ضوء آخر وبريق آخر يجدد فيها فاعلية الدين. وظل الحال على هذا النحو يرنو فيه الجميع على أيام الاستعمار الإنجليزي المصري إلى مخلصٍ جديد فولدت حركات إسلامية جاء جلها ميتاً عند الولادة ،فلم تظهر في البلاد حركة فكرية إسلامية وطنية فاعلة بعد الحركة المهدية ، وبسبب ذلك التفت الآملون في قيام دولة الإسلام إلى مصر العربية يستوحون منها أفكار الأخوان المسلمين لبناء نظام سياسي توجهه عقيدة الإسلام ،لكن إلى أي مدى كانت حركة الأخوان واقعية في طرحها ،وإلى مدى ارتقى إبداعها في إنتاج الحلول لمشكلات بلدٍ فسيفسائي مثل السودان؟
في رأيي أنه للوقوف على ذلك لا بد من إطلالة ولو عابرة على فترة المقاومة الوطنية للحكم الإنجليزي المصري وتحليل وقائع تاريخية مختزلة منها علها تساعد في توضيح الصورة فيما يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة في تلك الفترة،وعلها تساعد في تقويم المنهجية الإسلامية التي ركب قطارها من يؤمنون بالدولة الإسلامية كمخرج وحل لأزمات المسلمين المعاصرة. "يتبع".

"5/7"
من خلا ل ملاحظتي المتواضعة على تاريخ الحركة الوطنية لمقاومة الحكم الإنجليزي المصري خلصت إلى نتيجة مؤداها أن حركة المقاومة الوطنية انتهجت في مقاومتها للحكم الثنائي خطاً قومياً وطنياً لم تجنح فيه إلى مسألة الدين كثيراً، والسبب في ذلك في نظري أن العدو هذه المرة كفره سافر وصريح ،فهو لم يتذرع بالدين لإعطاء الشرعية لحكمه ولم يجنح إلى استصدار الفتاوى لتثبيت أركانه إلا نادراً وقليلاً بل في وقائع تندرج في باب الشذوذ، فإذا ما استثنينا عبد القادر ود إمام "ود حبوبة" في الجزيرة كامتداد للحركة المهدية نلحظ أن التدثر بالدين ورفعه شعاراً للمقاومة يكاد يكون في حكم النادر أيضاً ،ذلك أن الإنجليز رفعوا من أول يوم شعار الوصايا وأوحوا إلى الجماهير السودانية بأنهم لم يأتوا مستعمرين ،بل جاءوا معاونين للمصريين في تطوير السودان وتحديثه و النهوض به والخروج به إلى مصاف الدول الرشيدة ، - أي أنهم جنحوا إلى أساليب السياسة الزمنية البرغماتية – وهذا في رأيي ما حدا بالمقاومة الوطنية إلى التصدي للاستعمار الثنائي بذات السلاح ،فكانت حركة 1924م حركة قومية وطنية لم تبن مقاومتها على أساس الدين ،وإنما قادت المقاومة باسم أهل السودان جميعاً، بل وسعت الماعون ، لتكون مقاومتها باسم أهل وادي النيل كلهم ، مسلمين ومسيحيين ، وتبنت في سبيل إنجاح مشروعها وحدة وادي النيل ، وهو بلا شك شعار قومي فيه ثمة تعارض مع منهجية الإسلام السلفية وأممية دولته التي تعني المسلمين وحدهم في كافة أقطاب الأرض ولا يعنيها من أمر غيرهم إلا عهد الذمة والأمان.
أيضاً إذا أدرنا النظر تلقاء حركة نادي الخريجين ،فإننا نلحظ عليها أنها تشكلت على أساس قومي وطني بعيداً عن اعتراك العقائد الدينية وأطروحاتها الدوغمائية ، فقد ظلت حركة النادي تستمسك بهذا النهج القومي في المقاومة تدحض عن طريقه ألاعيب السياسة الإنجليزية وخططها فيما يخص أمر السودان ، خاصةً سياستها في قفل الجنوب ومحاولات تنصيره ، فقد قاومت حركة نادي الخريجين هذه السياسة لا بسبب التبشير الذي صحبها ،وإنما لأنها رأت فيها محاولة خبيثة لتعميق عوامل الانقسام بين الجنوب والشمال ، ولأنها رأت أيضاً في التبشير الذي صحب تلك السياسة وسيلةً من وسائل الدول الغربية لبسط نفوذها في القارة السوداء ، وهي لم تشذ في ذلك عن بعض نصارى أفريقيا الذين عارضوا هذه السياسة وعلى رأسهم كنيسة الحبشة التي رأت في حركة التبشير المسيحي التي قادها الغربيون في بلادها ضرباً من التمهيد للأساطيل والجيوش ومقدمة من مقدمات الاستعمار المبطن بما هو إنساني ديني.
ظل هذا النهج الوطني القومي هو المتبع في مقاومة الاحتلال،بل لم يتنكر له منتهجوه حتى حين وقع الانقسام الشهير بين الخريجين الذي أنتج نواة الأحزاب السودانية الأولى، فكانت حركة الأمة التي تبنت شعار السودان للسودانيين كطرح زمني برغماتي يعارض طرح الحركة الاتحادية التي تبنت هي الأخرى شعاراً قومياً ليس في وسعه أن يزايد على الدين ، وهو شعار وحدة وادي النيل،وهذا الانقسام الذي أدى إلى تشكيل باكورة الأحزاب السياسية السودانية كان في ظاهر أمره يبدو نتاجاً طبيعياً لاختلاف وجهات النظر بشأن مقاومة السياسة الإنجليزية في السودان وكيفية التصدي لها ، أي أنه تقمص شكل الاختلاف على نوعية الوسائل التي يجب التصدي من خلالها للمستعمر ، لكنه في حقيقة أمره كان صراعاً بين طائفة الأنصار التي اتكأت على الموروث المهدوي وبين التنويريين الجدد من الوطنيين الاتحاديين الذين أرادوا أن ينحو بالسياسة منحىً زمنياً وإن كان غير معلن، إلا أنهم فيما بعد ارتدوا عن هذا النمط السياسي الزمني بعد ارتمائهم في كنف طائفة الختمية.
اختلف قطبا المعارضة الاتحاديين ودعاة السودانوية ، وتباينت مواقفهم بشأن الكثير من القضايا من مثل المجلس الاستشاري لشمال السودان ومؤتمر جوبا 1947م والجمعية التشريعية والحكم الذاتي وغير ذلك من المسائل السياسية التي سادت الساحة السياسة السودانية في ذلك الوقت، لكن لم يجنح أي طرف من أطراف المقاومة إلى توظيف الدين كأداة أو وسيلة يمارس السياسة من خلالها أو يكيد بها للخصوم ، حتى أنه من الملاحظ أن حركة الجبهة المعادية للاستعمار ظلت تطرح وسائلها في المقاومة من غير أن تتعرض لأي مضايقات دينية مع أنها تبنت الطرح الماركسي اللينيني من أول يوم في مقاومتها للاستعمار ، فلم يزايد عليها أحد باسم الدين ،فظلت تسهم في المقاومة الوطنية بجهدٍ مقدر من غير أن ينسب إليها أحد سبة الخروج على الدين وظل حالها على هذا النحو إلى أن تمخضت وولدت الحزب الشيوعي السوداني الذي ظل يرفض تديين السياسة من يوم مولده وإلى يوم الناس هذا، وتعرض بسبب ذلك إلى مضايقات كثيرة أثرت في حجمه وقللت من تأثيره الاجتماعي وأبعدت عنه الجماهير شيئاً كثيرا.
ظلت حركة المقاومة الوطنية في كافة فصائلها في شد وجذب، تتفق حيناً وتختلف أحياناً في وسائل التصدي للاستعمار وفي كثيرٍ من المسائل الإستراتيجية ،لكن أبداً لم تركن قيادتها إلى الابتزاز الديني لتسوية الخصومات السياسية ،فالكل رفض التخوين الديني لغرض الكسب السياسي ولم يشذ عن هذه القاعدة أحد حتى الآباء المؤسسون لحركة الأخوان المسلمين من أمثال إبراهيم المفتي وعلى طالب الله وبدوي مصطفى وبابكر كرار ، فعلى الرغم من أن الايدولوجيا التي تبناها هؤلاء المؤسسون مرجعيتها دينية سلفية إلا أنهم لم يجنحوا إلى المغالاة أو المزايدة على خصومهم السياسيين في دينهم، وظل نقد فصائل المقاومة بعضها لبعض ينطلق من منطلق زمني برغماتي هدف الجميع من خلاله إلى تحقيق الاستقلال. "يتبع"

"6/7"
بعد رحلة طويلة من الكفاح السياسي تحقق الاستقلال ، ولم يجد قادته غضاضة في تبني دستور الحكم الذاتي ذو الصبغة العلمانية بعد تعديله ليكون أول دستور لدولة السودان المستقلة "دستور 1956" وظلت السياسة في ظله تمارس بين أهل السودان وفق الرؤى الزمنية البرغماتية حيناً من الدهر قليلا، لينتهي الأمر بعد ذلك في 1958 إلى المؤسسة العسكرية التي لم تتبدل هي الأخرى النهج السياسي الزمني، والملاحظ أنه بعد أن انتهى برنامج المقاومة الذي شغل الجميع وقتاً طويلا، اشتعل الصراع على السلطة والجاه والمال، وأصبح هذا الثالوث برنامجاً بديلاً لبرامج مقاومة الاستعمار،وفي ظل هذا الصراع الزمني المؤنسن ، تلفت بعض الساسة من أهل السودان إلى التاريخ والتراث لا ليستصحبوا ما فيه من إيجابيات ويطوروها لخدمة الشعب والبلاد، وإنما ليستعيروا منه وسائل الدهاء والمكر السياسي ،فوجد كثيرون منهم ضالته في استخدام الدين كوسيلة لإحراج الخصوم ولوي أذرعتهم خاصةً بعد ثورة أكتوبر 1964م،وكان لهذا المنهج المخاتل أثره الضار على تطوير الفكر السياسي الإسلامي على نحوٍ علمي وموضوعي حتى أن الكتابات السودانية القليلة التي أنتجت من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا فيما يخص السياسة لم تكن تهدف في حقيقة أمرها إلى إنتاج دولة الإسلام بقدر ما أنها كانت بمثابة ردة فعل تبريرية لمجابهة الخصوم وإبعادهم عن مراكز القوى والنفوذ ويقف شاهداً على ذلك صراعات الجمهوريين "جماعة محمود محمد طه" والإخوان المسلمين ، وكذلك الصراعات الإيديولوجية التي دارت بين الأخيرين وبين ذوي التوجهات اليسارية من شيوعيين وناصريين وقوميين عرب،ولقد كان لهذه الصراعات الإيديولوجية أثراً سيئاً صرف الجميع عن البحث المعرفي الجاد لإنتاج فكر سياسي ناضج ينطلق من واقع الدولة السودانية ويسعى إلى إنتاج أفكار عملية تلبي متطلبات ذلك الواقع، ولا ادعي أنني قرأت كل إنتاج الفترة الممتدة من أكتوبر حتى تاريخ اليوم،ولكن فيما يتعلق بالأفكار السياسية العملية فيما يخص الفترة من الاستقلال وحتى اليوم لم أقف على أي فكرة سياسية عملية تزعم أنها تنطلق من مرتكزات إسلامية وتضع تصوراً لشكل الدولة وتُنَظِر لعلاقة الدولة بمواطنيها وكيفية حكمهم سوى فكرة أسس دستور السودان التي استوحاها محمود محمد طه من الدستور الأمريكي وطرح فيها الفيدرالية بعد إجراء تعديلات عليها تجعلها تتوافق مع الواقع السوداني.وبما أنني في هذا المقال مشغول بالفكر الإسلامي السياسي، فإن محمود محمد طه ليس ببعيد عن نطاق ما يشغلني ، ذلك أن أطروحته الفكرية ليست مقطوعة الصلة بمدارس الفكر الإسلامي،خاصةً أنه زعم الانطلاق فيما طرحه من مرتكزات إسلامية وأن أطروحته تمثل خلاصة ما قاده إليه اجتهاده ،وهو زعم يدخله في دائرة الفكر الإسلامي حتى لو اتهمه البعض بالشطط والجنوح في الاجتهاد إلى غير مألوف الناس.
المتأمل في مخرجات ثورة أكتوبر المتفجرة بسبب تأزم حرب الجنوب ، يلاحظ أنها أدخلت الدين بكثافة إلى حيز السياسة السودانية بعد أن ابتعد عن هذا النطاق طيلة فترة المقاومة الوطنية للحكم الثنائي،فبعد أكتوبر حاولت الأحزاب السياسية السودانية الكبيرة باستثناء قوى اليسار إيجاد نسب بينها وبين قضية الشريعة الإسلامية،وتحدثت جميع قوى اليمين عن الدستور الإسلامي،وبشرت به كحل لأزمات البلاد في شتى صورها وضروبها، لكن للأسف هذا التبشير لم يتجاوز حيز الخطب الحماسية التي ألهبت العواطف والمشاعر دون العقول، رغم الأسئلة الكثيرة التي طرحت بمناسبة الحديث عن الدستور الإسلامي والتي كان من المؤمل أن تكون الإجابة عليها حافزاً لإنتاج فكر سياسي إسلامي ناضج يلامس واقع الفضاء السوداني،إلا أنه بدلاً عن ذلك حاولت الأحزاب الكبيرة ممثلة في الأمة والاتحادي المزايدة على أمر الدين بعد أن جرهم إلى هذا الميدان الأخوان المسلمون الذين هم الآخرين قصر بهم اجتهادهم بل استقالت منهم في هذا الحيز العقول ،فلم ينتجوا فكراً سياسياً يقنع العقل الناقد، وظل دورهم منحصراً في إحراج الخصوم خاصةً من الأمة والاتحاديين وتصوريهم لمؤيديهم على أنهم لا يعنيهم أمر الدين ولا الدولة الإسلامية في شيء وبذلك انصرف الجميع عن التفكير الموضوعي الذي يبحث عن الحلول لمشكلات السياسية السودانية ، وأصبحت علاقة الدين بالدولة بذلك هي أم المشاكل والمعضلات التي أنتجها صراع الخصوم على مسائل زمنية تتعلق بالسلطة والجاه والمال، وكانت هذه العلاقة "علاقة الدين بالدولة " هي الصخرة الكأداء التي تحطمت عندها آمال السودانيين الذين اصطفوا وصفقوا للاستقلال. فالمتصارعين من ذوي النفوذ والطموح أنتجوا المشكلة لكنهم جميعاً وقفت عقولهم عن إبداع حلٍ لها، وقصرت بهم طاقاتهم الفكرية عن إنتاج فكرة إسلامية عملية شمولية تتنزل بمثال الدين الإسلامي إلى واقع الدولة السودانية.،وتولد عن ذلك أن أعتاد السياسيون والمفكرون الإسلاميون السودانيون العيش والتوافق مع المتناقضات ،وكان حصاد هذه الشيزوفرينيا السياسية أن أيدت جميع الأحزاب السياسية السودانية اليمينية و طاقاتها الفكرية مبادئ ثورة أكتوبر وكذلك أيدت مقررات المائدة المستديرة، مع أن تلك المقررات كانت ذات صبغة علمانية على الأقل فيما يخص علاقة الفرد بالدولة، فقد أسست تلك العلاقة على المواطنة لا الدين ،فضلاً عن أن الحلول التي اقترحت في ذلك المؤتمر لمشكلة الجنوب قاربت جميعها الزمنية والأنسنة والبرغماتية ،ولم يقل لنا ولا واحد من مفكري اليمين الإسلامي عن وجه الاجتهاد الإسلامي المبدع الذي أستند إليه في تأييد تلك المقررات ذات الصبغة الزمنية ، بل إن جميع قوى اليمين بما في ذلك حركة الأخوان المسلمين ممثلة في جبهة الميثاق الإسلامي خاضت انتخابات ما بعد أكتوبر مما يعني وفق نظرية العقد الاجتماعي قبولها لهذا الوضع الزمني العلماني الذي أنتجته ثورة أكتوبر. "يتبع"

"7/7"
وعندي أن غياب الرؤية الشمولية فيما يخص أمر الدولة الإسلامية أدى إلى ارتباك قوى اليمين ووقوعها في أدواء الانقسام النفسي والفكري والتأرجح في المواقف السياسية بين النقيض ونقيضه،يدل على ذلك أن ذات القوى التي أيدت مؤيدات المائدة المستديرة وذات القوى التي صنعت أكتوبر المتفجرة بسبب أزمة الجنوب عادت هي الأخرى لتطرح في العام 1968م مشروع الدستور الإسلامي، الذي قصرت آلة الاجتهاد عند معديه ومقدميه عن بلوغ الغاية والمقصد، فقد تناسى القائمون على أمر الدستور الإسلامي الواقع القومي الذي يتصادم مع كثيرٍ من النصوص الشرعية ذات العلاقة بالولاية العامة ،وتلك التي تنظم علاقة غير المسلم بالدولة الإسلامية من مثل عقود الذمة والأمان ، وقد بلغ الحرج بمقدمي الدستور الإسلامي مبلغه عندما جابههم ذوي الانتماء القومي غير الإسلامي بأسئلة في هذا الصدد داخل جلسات البرلمان"فيليب غبوش"، هذه الأسئلة الكثيرة التي انفتحت بشأن مدى صلاحية الدستور الإسلامي للتطبيق في واقع الدولة السودانية كان المؤمل منها أن تفتح باباً للبحث والتفكير عن حلول واجتهادات مبدعة تجد لنفسها سنداً في الدين نفسه ، لكن للأسف تعامل الجميع مع الأمر وكأن شيئاً لم يحدث ،فلم نر كتابات جادة أو تفكير مستثار تشحذ همته قضية البحث عن حلول عملية للمشكلة،وما يحز في النفس أكثر،أن بعض مفكري العالم الإسلامي الذين لم يجابهوا في واقع بلدانهم بمثل هذه الأسئلة ،أعمل الكثيرون منهم عقولهم وفرضوا الفروض واستنبطوا حلولاً فيما يتعلق بإشكال الدولة الإسلامية ولا يعنينا في شيء أن نتفق أو نختلف مع تلك الحلول، وإنما الذي يعنينا أنهم أعملوا عقولهم في الوقت الذي استقالت فيه عقولنا عن التفكير ، ومن أولئك الذين تفتقت عقولهم عن اجتهادات في هذا الباب على سبيل المثال المفكر المغربي علال الفاسي الذي أبدع فكرة إجماع الأمة للعبور عن طريقها إلى فكرة الديمقراطية ، وقد حاول القائمون على أمر دستور 1998م الاستفادة من هذه الفكرة في صياغة المادة "65" من الدستور التي عالجت مسألة مصادر التشريع ،فقد نصت المادة "65" من الدستور المذكور على أن " الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً وعرفاً هي مصادر التشريع ..إلخ المادة " فإجماع الأمة عبر آلية الاستفتاء في هذا النص مصدر مساوٍ تماماً للشريعة الإسلامية ،ذلك أن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه، وإجماع الأمة في هذا المقام هو غير إجماع الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها،ونفس الشيء يقال عن العرف وهو هنا أيضاً العرف العام وليس عرف الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها، والذي كما نعلم يتقيد إطلاقه بنصوصها ولا يجوز أن يخالفها،وكنت آمل أن يشير الذين اقتبسوا هذه الفكرة " فكرة إجماع الأمة"إلى صاحبها "علال الفاسي" ويقولوا إنهم مقلدة للرجل، وإلا وجب عليهم أن يبدوا للناس وجه إبداعهم واجتهادهم الذي قادهم إلى صياغة مثل هذا النص الدستوري "المادة 65" وسند ذلك من المنقول والمعقول .
من المبدعين أيضاً الذين تأملوا في مسألة الدولة الإسلامية أبو الأعلى المودودي الذي اصطدم بواقع دولة قومية يشبه واقع دولة السودان تماماً ، من حيث التعدد الديني والعرقي والثقافي، فالرجل قد عاش في ظل دولة الهند الكبرى ذات التباين الديني والعرقي والثقافي الواضح ، وحلم ليل نهار بإخراج فكرة الدولة الإسلامية إلى حيز الوجود ،إلا أنه اختار أن يكون أميناً مع سلفيته بغض النظر عن النتائج التي تقوده إليها فسعى إلى إقامة وطن خاص بالمسلمين وحدهم تكون نواته دولة "باكستان" ،وحاول بذلك أن يتحاشى الانقسام الفكري بعد أن اختار لنفسه أن يساير الدلالات اللغوية للنصوص الشرعية بطريقةٍ سلفية ، إيماناً منه بأممية الإسلام ودولته التي تحصر السلطة في المسلمين دون سواهم وتحدد علاقتها بغير المسلمين على نحو ما ورد في النصوص الشرعية بغير نقص ولا زيادة ونفس الشيء انتهجه في تفكيره بشأن تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالخارج وفق ما انتهت إليه نظرية دار الإسلام ودار الحرب المشهورة عند السلف،لا بل حين اصطدم بواقع الدولة القومية الباكستانية يفرض نفسه ،عنف كل التيارات الإسلامية التي تحلم ببناء دولة إسلامية عبر فكرة القومية، حتى إنه قال في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور "ص92" من طبعة مؤسسة الرسالة،قال ما نصه ( ... ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء، يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى،ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي ،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم ،وإن نجح مشروعه فلا شك يكون معجزة (.....) فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وإنجاز مهمته). بمثل هذه الرؤية المودودية نظرت حركتنا الإسلامية السودانية إلى دستور ي 1956 و1973 ، فرأت فيهما علمانيةً سافرة وخروجاً على نصوص الشريعة واضح للعيان،وسعت ما أمكنها الجهد لتغيير هذا الوضع لكن بلا اجتهادٍ ولا رؤية وبلا منهجية شاملة أو مدروسة،فهي – أي الحركة الإسلامية السودانية -حين ساهمت في إعداد دستور 1968 الإسلامي اصطدمت فكرتها عن دولة الإسلام بواقع الدولة القومية السودانية وتباينات الدين والعرق والثقافة فيها، وكما قلنا لم يحفزها ذلك إلى إبداع حلول أو اجتهادات مبدعة فكان مآل الدستور الإسلامي الفشل وعدم القبول ،وفي عام 1983 تمكنت من فرض رؤية تجزيئية حين ساهمت في إنفاذ قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ظلت الأمور معها على المستوى الدستوري من الدولة على ذات وضعها القومي ذو الصبغة العلمانية، ولما نالت البغية ووليت أمر الدولة في يونيو 1989م أرادت أن تفرض مشروعها الحضاري ،وفشلت في ذلك بسبب أن المشروع ذات نفسه كان أمراً هلامياً غير محدد المعالم،وبسبب القصور الاجتهادي المبدع ،وجدت الحركة نفسها مضطرةً إلى تجاوز النصوص الشرعية ذات العلاقة ببنية الدولة الإسلامية ولم تجد لنفسها من اجتهادٍ تركن إليه سوى القول بفقه الضرورة ،الذي ورطها في حرجٍ كثير بعد أن أصبح قاعدة عامة مع أن وضع الضرورة عند كافة فقهاء الإسلام هو استثناء عارض يقدر بقدره ثم يعود الأمر إلى أصله وأساسه، فقد رأينا هذه التجاوزات – تجاوزات النصوص الشرعية -في مشروع دستور 1998م الذي نَظَر له الإسلاميون وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي فأخرجوه إلى حيز الوجود ،وبه الكثير من الثغرات التي جعلته عرضة لنقد الجماعات الإسلامية السلفية ، خاصةً أن من قاموا على أمره بشروا الناس بأن منطلقهم إسلامي لكن عند الجد تضاربت نصوص الدستور المقيد بواقع القومية مع نصوص الشريعة على نحو ما أنذر أبو الأعلى المودودي في حديثه السابق ذكره، وقد ظهر هذا التضارب جلياً في فاتحة الدستور في المادة الأولى التي وصفت شكل الدولة ،وقد جاء فيها أن ( دولة السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراق والثقافات وتتسامح الديانات والإسلام غالب السكان وللمعتقدات العرفية أتباع معتبرون )، فهذا النص تضمن اعترافاً بالأمر الواقع بما في ذلك المعتقدات العرفية ،وهو أمر يتعارض مع ظاهر النصوص الشرعية فضلاَ عن أنه- أي النص – التف على شروط الذمة والأمان من غير أن يبين، أما المادة الرابعة من الدستور المذكور "دستور 1998" فقد تضمنت مصطلحات إسلامية لكن عند تدقيق النظر يتضح أنها لا تختلف عما ورد في دستوري 1965 ،1973 من تأسيس لأمر الدولة على القومية والمواطنة فقد نصت المادة الرابعة على أن ( الحاكمية في الدولة لله خالق البشر ،والسيادة لشعب السودان المستخلف يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن وبسطاً للعدل والحرية والشورى وينظمها الدستور والقانون )، فهذا النص بالفعل تضمن اصطلاحات إسلامية إلا أن النتيجة سيادة قومية لا تختلف عن سيادة أي دولة قومية زمنية، فالحاكمية وفق هذا النص لله خالق البشر ،ولكن السيادة "الشأن الدنيوي" لشعب السودان المستخلف بكافة أطيافه الثقافية والدينية والعرقية ،وهذا فيه أيضاً التفاف على نظرية الاستخلاف الإسلامية ،وكنت بصدد هذا الالتفاف من الذين ينتظرون تخريجاً أو تأويلاً إسلاميا مبدعاً،ونقبت عن ذلك في مقالات الإسلاميين ولم أجده ،وبشرت نفسي بالظفر به عند صدور كتاب النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع للدكتور حسن الترابي إلا أنني لم أظفر ببغيتي فيه،ولم أجد فيه ما يشفي الغليل،وأصابني بالإحباط أنه حتى فكرة إجماع الأمة التي طرحها الدكتور حسن الترابي في كتابه المذكور لم يتبعها بصناعة شرعية على طريقة علماء الأصول الذين إن قال أحدهم على سبيل المثال بتخصيص النص بالمصلحة على نحو ما فعل نجم الدين الطوفي أو برفض القياس على نحو ما فعل ابن حزم فإنه عادة ما يتبع هذا القول أو هذا الرفض بسند من المنقول والمعقول.
أما الدستور الأخير – دستور 2005- المستوعب لبرتوكولات نيفاشا ،فتدل غالبية نصوصه على التسليم للأمر الواقع في الدولة السودانية ،لا بل تمثل حالة إحباط لدى الإسلاميين تنذر بموت الإبداع والاجتهاد لديهم،خاصةً مع اجترارهم آراء الاتجاهات الفكرية التي فجروا معها في الخصومة واستصحابها في شئون الحكم والسياسة،والاكتفاء بالتبشير اللفظي بالدولة الإسلامية ،وهذا يؤخذ عليهم ويجعلهم محل اتهام فحواه أنهم لم يكونوا دعاة فكر وإبداع إسلامي بقدر ما أنهم كانوا برغماتيين سياسيين،بل يضعهم في مجابهة مع تهمة استصحاب الدين لغرض الوصول إلى السلطة ،فضلا عن ذلك فإنه يمكن القول بأن ندرة العقل الناقد في الحركة الإسلامية السودانية ، والانصراف عن إيجاد إجابات للتساؤلات المفتوحة بشأن الدولة الإسلامية ،أديا إلى ذبول فكرة الدولة الإسلامية وانتهائها إلى نوع من الإحباط أنتج لنا متطرفين دغمائيين يلوكون هم الآخرون مقولة دولة الخلافة الإسلامية من غير أن يقدموا تصوراً لانبثاقها وماكينزمات عملها في ظل هذه التشابكات التي تسود حياتنا المحلية والإقليمية والدولية في عالم اليوم،ومما يؤسف له أن الفرصة التي أتيحت للإسلاميين السودانيين لم تتح لغيرهم من المدارس الإسلامية على مدار التاريخ الإسلامي باستثناء شذراتٍٍ قليلة كانت القيادة الفكرية والسياسية فيها متحدة في يد مفكرٍ واحد أو إن شئت الدقة فقل في يد مدرسة فكرية واحدة مثل مدرسة ابن تومرت في دولة الموحدين ومهدي السودان في دولة المهدية ،،ونذكر في الختام بأننا زعمنا في صدر هذه المقالة وقلنا في الحلقة الأولى منها إن الاجتهاد والإبداع السياسي الإسلامي في باب الحكم والسياسة تخلف في العالم الإسلامي بسبب الكبت الفكري والهيمنة التي فرضها الساسة والأمراء على أهل الفكر والفقه والإبداع ،فيا ترى ما الذي أقعد العقل الإخواني الإسلامي السوداني عن الإبداع والاجتهاد بعد أن اتفقت له ثنائية الفكرة والسلطة،وما الذي أدى لاستقالته وهو الفقيه الأمير؟ إنها أسئلة مشروعة تبحث لنفسها عن إجابة.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

خليفة السمري - المحامي

الدولة المتفرجة مفهوم حكم جديد

بسم الله الرحمن الرحيم
"الدولة المتفرجة مفهوم حكمٍ جديد"
بقلم : خليفة السمري – المحامي.

بشرتنا الإنقاذ في مطلع فجرها الصادق أو الكاذب –لا أدري – بأنها لأجل "الغبش" والمسحوقين أنطلق قطارها وأن رفع المعاناة عن المواطن كان دافعها وحاديها،صدقنا وآمنا وتدافعنا زرافاتٍ ووحدانا لتأييد الحكومة المتدخلة في كل شأن،ظناً منا بأنها خرجت من كنف الغلابة،ولا تحتاج إلى من يشفع لهم عندها، حال كون القيادة فيها بحزنهم ملتصقة،وبما تصبو إليه نفوسهم مطلعة،وها قد مضت علينا إحدى وعشرون كاملةً،دارت خلالها دولتنا على نفسها دورات ودورات إلى أن أبدعت لنفسها وصفاً وشكلاً في الحكم لم تعهده نظم السياسة،ولم تعرف مثله نظريات الحكم والسلطان،بل أظن أنه يحار في تكييفه فقهاء القانون الدستوري ومنظري النظم السياسية،إنْ قيض لهم النظر في جواهره ومضامينه.
سمعنا في علوم السياسية عن الدولة المتدخلة أو دولة الرعاية،وسمعنا عن الدولة الحارسة ،بل سمعنا عن دولة المنزلة بين منزلتين ،وشنفت آذاننا أنماطٌ كثيراتٌ أُخر من صور الدولة وأشكالها،لكن أبداً ما خطر على بالنا مفهوم الدولة "المتفرجة"،ولم يكن عندنا من المفكر فيه– إذا استعرنا محمد أركون – إلا بعد أن تمخضت عنه دولة الإنقاذ واحتفت في حرارة بميلاده،ولعمري إنها لكارثة أن ينتهي دور الدولة إلى الفرجة والمشاهدة والتنصل عن كافة مسئوليات دولة الرعاية،خاصةً وأننا نعيش في دولة يصنفها أهل النظر السياسي بين عداد الدول المتخلفة،-وتلطفاً نقول دول العالم الثالث- التي تعاني من الديون وشح المال وقِل الادخار،ومن ثم فإن حظ مشروعاتها التنموية من التنفيذ عادةً ما يكون قليلا،ولا يرتجى في مثل هذه الدول أن ينهض القطاع الخاص فيها بمهمة التنمية والنمو،مهما وفرنا له من المعينات النظرية والقانونية والاقتصادية،ولن يطلع بهذا الدور،حتى لو حفزناه بالإعفاءات الجمركية والضرائبية ،وحتى لو رفعنا عن كاهله الإتاوات التي عوقت عملية الإنتاج في بلدٍ يعاني شح الصادرات.
هذا الحديث يقودني إلى ما طالعتنا به الصحافة السودانية في الأيام القليلة الماضية عما انتهى إليه المسؤولون أخيراً من إلغاء أمر تأسيس الهيئة القومية للكهرباء،وتكوين خمس شركات بدلاً عنها،قيل عنها إنها مملوكة للدولة السودانية،وفي هذا المقام لن أتحدث عن النواحي الفنية التي تحكم العلاقة بين هذه الشركات وهي تتصدى لمهمة توفير خدمة حساسة مثل خدمة الكهرباء،فذلك ليس من شأني لكوني أصلاً لا أفهم فيه،وإن كان قد أثار في نفسي أسئلة ستبقى بلا إجابة إلى أن يبان لنا الأمر ضحى الغد،فالشركات التي تمخضت عنها الهيئة القومية للكهرباء حسب الصحافة السودانية هي الشركة السودانية للتوليد الحراري، والشركة السودانية للتوليد المائي، والشركة السودانية لتوزيع الكهرباء، والشركة السودانية لنقل الكهرباء،وشركة سد مروي،وقد شد انتباهي في الخبر الذي نقلته صحافتنا السودانية،أن الشركات الخمس المذكورة مملوكة للدولة، والذي أعلمه من واقع تخصصي القانوني أن الملكية الفردية لا يصح ولا يجوز أن يصبغ عليها وصف الشراكة،ذلك أن طبيعة الشركة أو الشراكة تقتضي أن يتقاسم الملكية فيها شخصين على الأقل أو أكثر،لذلك كنا نسمع في غابر أزمان الدولة السودانية عن الهيئة العامة للاتصالات، وعن الهيئة القومية للكهرباء،وعن المؤسسة العسكرية، وهلم جر،حال كون مالكها شخص واحد هو الدولة،فلم يألف أهل القانون ولا أهل السودان أن يسبغ على هذه المؤسسات والهيئات وصف الشركة ،وبهذا فإن الأمر لا يحتمل في وجهة نظري سوى أمرين ،أمرين اثنين فقط لا ثالث لهما ،فإما أن تكون هيئة الكهرباء قد خصخصت وطرحت أسمها للاكتتاب والتداول في سوق المال وفي هذه الحالة تكون قد اتخذت شكل شركة المساهمة العامة أو المحدودة صفةً لها تميزها عن غيرها من إدارات الدولة ومؤسساتها،وإما أنها لا زالت مملوكة لها،وبالتالي لا يصح أن توصف بأنها شركة أو شركات تقوم على رأسها جهةٌ قابضة طالما أن ملكيتها لا زالت في يد شخصية معنوية واحدة نسميها في علوم السياسة والقانون "الدولة".
وليكن ،فالنعوت والأسماء والصفات لا تهم ، فالقاعدة الفقهية "أن العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني"، سمها شركة ، ولا زالت مملوكة للدولة، ولمصلحة الحوار نقول أسلمنا مع المسلمين، لكن ما يؤيد وجهة نظرنا بأن أمر الهيئة آل إلى القطاع الخاص أو على الأقل في طريق أيلولته إلى هذا السوق البراق،أن صحيفة سودانايل الألكترونية قالت في خبرها بشأن هذا الموضوع بعد أن أسمت الشركات المنبثقة عن الهيئة ومديريها،قالت الصحيفة ما نصه " على أن تباشر الشركات مهامهما في توليد وتوزيع وشراء الكهرباء وتعمل على أسس تنافسية تقليلاً للتكلفة ورفعاً للكفاءة الفنية والإدارية وخلق بيئة جاذبة للقطاع الخاص للاستثمار في مجال الكهرباء"، وتعليقاً على ذلك بدوري أقول لقد رأينا من قبل،الأسس التنافسية في شركات الاتصالات التي أفرغت جيوب أهل السودان من المال ، بل كان لها القدح المعلى والحظ الأوفر في إنتاج التضخم الذي أصاب العملة السودانية مؤخراً بسبب تصديرها العملات الحرة لخارج البلاد، فالأسس التنافسية في حقيقة أمرها تحتاج إلى سوق رأسمالية ضخمة ومنفتحة،وشروطاً تضمن عدم الدخول في كارتلات واحتكارات تجارية، وهذا أصلاً لا يتوفر في الدولة السودانية التي يجوز لنا أن نقول عنها بشيء من الصراحة ومواجهة الذات أنه ليس لديها موارد مستغلة تخلق القوة الشرائية المطلوبة والموفية لشروط القدرة التنافسية المعافاة من علل الاحتكار والتكتلات النفعية،لذلك فإنَّ تدخل الدولة بدعم قطاعات الكهرباء وقطاعات الطاقة أمرٌ مطلوب ،لا بل أمرٌ واجب، وإذا اتجهت الدولة في غير هذا الاتجاه فإنها بلا شك ستجعل من المواطن ضحية للمضاربين بأموالهم في قطاعات حيوية من مثل مرفق الكهرباء، فالتطوير النسبي في هذا المرفق تم بالفعل،وفي ظل جهود الدولة نفسها ولا تنكر ذلك إلا عينٌ قذئة تتجافى الحقيقة الموضوعية،الأمر الذي نرى معه أن التعلل بتطوير المرفق كسبب لعرضه في سوق الخصخصة هو عذرٌ واهٍ ،وحجة مضروبة ، لا تسندها حقيقة علمية ولا تؤيدها الموضوعية المتحللة من الغرض والهوى،فلو رغبت الهيئة فعلاً في تطوير أدائها وخدماتها فلتضاعف من حوافز العاملين فيها ، ويومها ستجني ثمرة ذلك نهوضاً في هذا المرفق الهام،ولا يغرنك ديكورات إدارات شركات القطاع الخاص ولا إعلاناتها التجارية ومكاتبها الوثيرة التي تعد خصيصاً لاصطياد المسؤولين وإيهامهم بأن لها القدرة على النهوض بقطاعات التنمية والنمو في البلاد، فوالله إن ذلك لا يعدو أن يكون نوعاً من بيع القاذورات المغلفة في أوراق السولوفين البراقة،خاصة في عالمنا الثالث الذي تعاني فيه الدولة من عدم القدرة على خلق الوظيفة المنتجة،ومن ثم عدم القدرة على خلق القوة الشرائية التي تضمن توازنات العرض والطلب والمنافسة في سوق الحرية الاقتصادية.
إن دولة السودان خرجت إلى حيز الوجود دولة رعاية متدخلة، فهي تحمل هموم المواطن الحياتية اليومية من صحة وتعليم ..إلخ وتتدخل فيها تدخلاً مباشراً،وتقوم بأمر معاشه ،تماماً مثل ما تقوم بمهمة أمنها وأمنه وحراسة حدودها من تعدي العاديين، وهذا الدور أملته عليها ظروف موضوعية لا أعتقد أن شيئاً منها قد تغير، من هذه الظروف أنه يستحيل على القطاع الخاص التصدي لمشروعات التنمية الكبرى من طرق وجسور وموارد مائية ومشاريع زراعية وصناعية كبرى وغيرها من المشروعات المهمة للنهضة بالمجتمع السوداني حال كون الحافز لديه للولوج إلى هذه المجالات ضعيف جداً بسبب ارتفاع عنصر المخاطرة وبطء جني العوائد،ومنها أيضاً أن القطاع الخاص عندنا قطاع صغير ومحدود تنقصه القدرة التنافسية اللازمة لقيام التوازنات المفضية إلى استقرار سعر الخدمة عند وضعه الطبيعي المفترض،وهذه المحدودية تسهل مهمة الاحتكار الذي يفتح باب الجشع والطمع في ظل غياب آلية التسعير،لذلك قضي وقدر على الدولة السودانية أن تباشر في مجالات الخدمات المهمة بنفسها وعبر موظفيها،ولتحسين شروط الخدمة وجب عليها تحسين ظروف موظفيها في كافة القطاعات بدلاً عن تعريض خدماتهم إلى استغلال ذوي المال والنفوذ الاقتصادي،وبما لا يعود على المجتمع بالنفع المتوقع من مثل هذه التضحيات، ولنا في قطاعي الصحة والتعليم خير أنموذج ، فقد رأينا كيف أنهما لحق بهما التدهور بعد أن تركتهما الحكومة لسوق الخصخصة والتحرير ، فلا فكرة التأمين الصحي حلت المشكلة، ولا مدارسنا وجامعاتنا الخاصة أنتجت لنا تلك القدرات التي كنا نأمل أن تنافس في سوق العمل على النحو الذي كانت عليه في السابق،حين كانت الدولة تقوم بنفسها على أمر التعليم في كافة مراحله وكافة ضروبه وفنونه ومناحيه، وفي هذا المقام أقول إن لنا في تجارب الآخرين خير عبرة ،فدوننا تجربة جمهورية ساحل العاج مع الشركة الفرنسية التي اشترت من حكومة هذا البلد الأفريقي النامي قطاع الهاتف ، الثابت منه والمنقول، وشرطت لنفسها احتكار تقديم الخدمة، وفي سبيل جني الأرباح أعادت هيكلة قطاع الهاتف على نحوٍ فاقم من مشكلة البطالة،وفي ذات الوقت رفعت سعر الخدمة بدلاً عن خفضها، فهل يا ترى يكون لهيئة كهرباء السودان في ذلك عظة،وكما يقولون "من جرب المجرب حاقت به الندامة"،وفي هذا الصدد تجدني لا أمل تكرار القول بأن شروط التنافس المطلوبة لفاعلية السوق الحر غير متوفرة في بلادنا، لظروف موضوعية تتعلق ببنية الاقتصاد السوداني ذات نفسه، الأمر الذي نتوقع معه انفتاح شهية الاحتكار والهيمنة لغرض جني الأرباح الجشعة في حالة ما إذا تولى القطاع الخاص مشاريع مهمة مثل مرفق الكهرباء،بل قد تؤدي هذه الشهوات الربحية إلى تعطب المرفق نفسه ولنا في قطاع الهاتف خير مثال، فقد تخلف هاتفنا الثابت كثيراً،وأصيب في مقتل،مع أنه فيما يتعلق بأمر التنمية أهم وأولى بالرعاية من الهاتف المنقول،وأعضد زعمي بأن القطاع الخاص لن ينهض بمشروعات التنمية كما نظن ونعتقد بحديثٍ لجيمس جوستاف رئيس برنامج الأمم المتحدة السابق الذي قال " إن العالم النامي ضحية لأسطورة غربية،هي الإيمان بأن القطاع الخاص يمثل البلسم الشافي العالمي وهذا وهم،- نقلاً عن كتاب أمريكا طليعة الاستبداد لروجيه جارودي-،فهلا تنبه القائمون على الأمر إلى ذلك قبل أن تنوح على هيئة النور النوائح وتثكلها الثواكل ،وهلا شمرنا ساعد الجد لمنع مشروعات القطاع العام الحيوية من التورط في سوءات الخصخصة وشرها المستطير،هل يكون ذلك يا ترى ،أم أن قيادتنا في نشوة الفرجة والتحلل من مسئوليات دولة الرعاية ستلهج بقول القائل : دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء،وحتماً سنرى ما في جعبة الأيام القادمات, ولكل حادثٍ حديثه ،والأمل كبير في أن تنحاز حكومة السبعين وسبعة إلى صفوف المسحوقين الغلابة،حال كونهم انتخبوها والمفترض أنها بهمومهم ملتصقة.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل ،،،
خليفة السمري – المحامي.

حديث الوحدة والانفصال

بسم الله الرحمن الرحيم
حديث الوحدة والانفصال ..
بقلم : خليفة السمري- المحامي .

السودان ..وما أدراك ما السودان ..أقوام وأعراق شتي وثقافات متنوعة ولهجات تعد بالمئين،ديانات وطقوس وعادات ضاربة في عمق التاريخ ، هذه الأخلاط التي قد يحار في تحليل جدلياتها علماء الانثربولوجي وأركيولوجيا التاريخ جاءت على قدر لتجتمع في محيط جغرافي واحد ،تنصهر في بوتقته من غير تكلف،وتتعايش فيما بينها على الفطرة والسجية ،يغلبها الطبع على التطبع، وينداح بينها سلامٌ تعكر صفوه أحياناً مناوشة قبيلةٍ مع أخرى أو بيتٍ داخل القبيلة نفسها مع بيتٍ آخر وسرعان ما تتدخل "الأجاويد" ليعود إلى البوتقة الطبع المسالم .. ظلت الحياة في هذا الكيان الجغرافي تنحو على هذا النحو قرون من الزمان طويلة إلى أن حلت به في آخر أيامه لعنة الساسة والسياسة.
الساسة هؤلاء سعوا بوعي أو بلا وعي –إلا من رحم ربي - إلى تأطير كيان السودان على نحوٍ لا جامعٍ ولا مانع إذا ما أردت أن تضع تعريفاً لشعب الدولة،وشغلوا أنفسهم بصراع الأهواء لا البحث عن الهوية كما يزعمون ،فللأسف ظل كل فريقٍ فرح فخور بالاختزال الذي هداه إليه هواه الأيديولوجي ،ولو كان هذا الاختزال يعارض الحقيقة المعرفية، ويناقض واقع الحال ،فوهم الإيديولوجيا هو المقصود بالإشباع ،حتى لو تقوضت البلاد أشلاءً،وفي سبيل هذا الإشباع الرغبوي اعتسفوا الواقع اعتسافاً ،فصلوا لأجله قمصاناً للبلاد لا تناسب حجمها ،ولا ترضي ذوقها ،وحاديهم إلى كل ذلك إرضاء الغرور الإيديولوجي الذي حصدنا ثمرته تصدعاً ها نحن نتباكى الآن لأجل تلافيه ونطلق الحملات لمنع آثاره الضارة ونرهق أنفسنا عسراً بما جنت أيدينا لا أيدي الغرباء،مع أنه كان في الأمر سعةً وفسحة ،فقد وضع الله عنا الإصر والعنت والمشقة ولكن أبينا على أنفسنا ذلك كأن لنا بقبيلة يهود أواصر صلة أ و وشائج قربي ، قيل لهم لا تعدو في السبت إذ كانت حيتانهم تأتي إليهم شُرَّعاً فأبوا ذلك على أنفسهم واختاروا العنت والمشقة والطقوسية وضيعوا جوهر الدين الذي جاء لإسعاد البشرية لا لنكدها وشقائها ،"وربك يكضب الشينة".
إن نهج اختزال النسيج الفسيفسائي السوداني في بعدٍ واحد قصم ظهر البلاد وأقعدها عن التطور واللحاق بنظائرها من الدول التي ارتكن قادتها إلى ما يجمع ويوحد لا إلى ما يشتت ويفرق ، نهج الاختزال هذا ظل للأسف يسكن لا شعور النخبة السياسية الفاعلة في كل مراحل تاريخ الحركة السياسية السودانية الحديثة ، ولم ينفك عنه حتى الذين رفعوا شعارات الدولة المدنية ومفاهيم الحداثة السياسية ،وبسبب هذا الداء المتمكن من النفوس جاءت جل أفعالهم السياسية معارضةً لأقوالهم وخطبهم الحماسية، يحدثك بعضهم عن إيمانه بالديمقراطية إلى حد التضحية بالروح،لكنه لا يرعوي أبداً أن يقف مدافعاً عن طرد خصومه السياسيين من البرلمان بل يتحدى أحكام القضاء لأجل مكسبه السياسي وإشباع رغائبه الإيديولوجية ، ويقف بعضٌ آخر منافحاً عن حقوق الإنسان إلى أن تنتفخ منه الأوداج ،وفي أول سانحة انقلاب عسكري تجده في الصف الأول يمارس الكيد ولا يربأ عن تعذيب الخصوم جسدياً ونفسياً ، يقول الواحد منا إنه يؤمن بوحدة السودان إيمان العجائز وتجد أفعاله بوعي أو بغير وعي توجه بوصلته إلى عكس ما آمن به،ومن عجيب الأمر ، لا ينزعج الواحد منا من مثل هذا الانقسام النفسي بل ينام قرير العين حالماً بالوحدة ورفاه الدولة ،وما درى المسكين أن فعله السياسي المخاتل هو الذي أثمر هذا الغسلين الذي نتجرع مرارته الآن ،وبدلاً من لوم النفس وممارسة نقد الذات ،تجدنا نبحث عن الدسائس والمؤامرات المتوهمة لنحيل عليها فشلنا وشيزوفرينيانا السياسية علنا نجد في ذلك تبريراً يدخل على النفس شيئاً من راحة أو قليلاً من إرضاء الضمير ،ولكن ولات حين راحة وولات حين ندم.
أنظر أخي القارئ في أحداث السياسة السودانية كيفما اتفق لك النظر،فإنك أبداً ،تجد العجائب والغرائب، الكل يزعم أنه مصلح وأنه ديمقراطي من غير أن يكلف نفسه أو يواجهها بمدى استعداده لدفع ثمن الحرية والديمقراطية ،ديمقراطي والسلام ، وحدوي والسلام، يساري ،يميني والسلام ،من غير أن يقف ليفكر بموضوعية عن ماهية الأيديولوجيا التي تحفزه إلى الفعل وهل يا ترى تصلح وسيلة لتحقيق أهداف الوحدة والسلام التي ينشدها أم لا؟،أنظر إلى كافة ضروب الأيديولوجيا السياسية السودانية فماذا تجد غير الترديد الببغاوي وتكرار الحديث عن الأفكار التي لا تلامس واقع البلاد ولا تحل مشاكل العباد بل تعقد الحياة السياسية وتزيد إشكالات البلاد ضغثاً على إبالة.فالأفكار المجردة على رأي علماء المناهج لا يسبغ عليها وصف الصحة والخطأ إلا بعد وضعها موضع الفعل والعمل والتطبيق فإن أدت غرضها فهي صحيحة بالنسبة للفعل والعمل الذي طبقت عليه وإن هي قصرت عن ذلك فهي خاطئة بالنسبة للعمل والغاية المقصودة منها، ولا يغير من ذلك صحتها في فعلٍ وعمل آخرين، فكما لكل مقامٍ مقال ، فلكل فكرة حيزها الزماني والمكاني ،فإن أنت حاولت فكها عن نسبيتها تكون بذلك وقعت في الشرك الخفي حال كونك أصبغت عليها صفة من صفات الله "الإطلاق والتجريد الذي لا يحده زمان ولا مكان".فنحن حين صنمنا الأفكار والأيديولوجيات وعبدناها من دون الله حل علينا هذا العذاب ليطهرنا ويعيد إلينا عقولاً ألغيناها ،ويلفت أنظارنا إلى سعادةٍ ورحمة كنا ساكنيها فأبيناها بطراً وكفراً بالنعمة ،واخترنا بدلا عنها الشحم مواربةً على طريقة اليهود وما علمنا أن في هذا الشحم كلسترولاً يعجل ساعة الحتف والفناء،فليتنا علمنا أنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
هذا هو حال نخبنا السياسية ،أخي القارئ ،يبشرك أحدهم بالبعث العربي أو الناصرية العربية من غير أن يتأمل في مخرجات هذه البشارة ومآلها على وحدة العباد ووحدة البلاد، بلادٌ تتعدد ثقافاتها وأعراقها ،ويريد هذا أن يختزلها لتلبس قميصاً فصل وخيط لغيرها ،بل حتى لحمة قماشه وسداه تم غزلها من واقع غير واقعنا وظروفٍ غير ظروفنا ، وقل مثل ذلك عن ماركسيٍ يبشرك بأن الحل يقبع في جدلية ماركس التاريخية ، "فهي التي تحلل أدواءنا وتبصرنا بمشاكلنا الطبقية وباستصحاب منهجها تحل المشاكل وتتحقق لنا جنان أرضية نقطف منها أنى شئنا فترتفع من بيننا الضغينة والشحناء" ، وما درى هذا المبشر أن معطيات علاقات الإنتاج التي أفرزت الفكر الماركسي - بغض النظر عن حقه وباطله – لم توجد على أرض السودان بعد، لكنه يريد أن يعتسف الحقائق ويقفز بالتاريخ قفزات وهمية يشبع بها نهمه الأيديولوجي،ومن العجب أنه لا ينقص من لذة الإشباع هذه سكناه في الأبراج العاجية وتنظيره للبروليتاريا المغلوب على أمرها من فوق شرفات المنشية والعمارات.
هذا هو حال يسارنا ،وإن أنت أدرت ناظريك تلقاء اليمين تجد أيضاً عجباً عجاباً، يقول لك أحدهم إنه يؤمن بأن لا مخرج للسودان الموحد إلا في الدولة الإسلامية ،وإذا سألته وقلت له الدولة الإسلامية بفهم من،وإسلام من ؟ أجاب بلا تلفت ولا تفكير ،إسلام القرآن والسنة. وهكذا يختزل كل الخلافات الفقهية ،وتباينات أصول الدين في إجمالٍ كأن صاحبه ما سمع عن صراع المعتزلة والأشاعرة ولا عن أهل السنة والجماعة ولا عن الشيعة في مذاهبهم التي يكفر بعضها بعضا ولا عن الجهمية والخوارج والأزارقة والحشاشين.. إلخ الفرق الإسلامية التي فصلت عقائدها وأفكارها كتب الملل والنحل، ناهيك عن اجتهادات المعاصرين من تكفيريين ومعتدلين وتجديديين وحداثيين إسلاميين ،كل واحدٍ منهم يزعم أن إسلامه هو إسلام القرآن والسنة الصحيح ،وأن فهمه للإسلام وفكرته عنه ولو كانت ضبابيةٍ مبهمة هي الوحيدة القادرة على حل مشاكل دنيانا الفانية،فليت شعري هذه الدنيا خلقت لمن؟ . إنه لا شك عندي أن ضبابية أيديولوجيا اليمين وهلاميتها ساهمت هي الأخرى - مثل أيديولوجيا اليسار تماما -بقدر ونصيب في إنتاج مقدمات تهديد وحدة البلاد،فمثل هذه الضبابية هي التي جعلت الأب فيليب غبوش يقف يوماً في برلمان السودان في العام 1968م ليسأل عما عنَّ له بشأن مشروع الدستور الإسلامي فأدخل الجميع في حرج حديث دولة المواطنة الشهير، وما كان ذلك الحرج بسبب قصور في الإسلام عن حل مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية ،ولكن بسبب قصور اجتهاداتنا وعدم صراحتنا مع أنفسنا في مواجهة الحقائق،فأنت إذا ألقيت نظرة في موافقات الإمام الشاطبي المتوفي سنة 590هـ مثلاً أدركت أن الرجل متقدم علينا في الاجتهاد وفي ابتكار الحلول العملية للمشكلات بفراسخ تاريخية ليس قطعها علينا بيسير ،رغم أننا نعيش في العام 1431هـ بفارق زمني بيننا وبينه يقارب الثمانمائة سنة، ففقه المقاصد الذي فصل نهجه الإمام الشاطبي حل كثيراً من مشكلات زمانه بل تجاوز زمانه إلى زمان الناس هذا ،ومع ذلك لم نحتفي لمثل هذه المناهج ،ولم نلق لها بالاً ،ولو كنا جادين في حل مشكلاتنا العصرية لاستصحبناها ولسعينا إلى تطويرها على نحوٍ يعالج مشاكلنا وعلى رأسها مشكلة علاقة الدين بالدولة التي ظللنا نتعاورها بمنهجية كيدية لا علاقة لها بمناهج البحث عن الحلول ،فالمواءمة بين التراث والحداثة ليست بالشيء المستحيل لكن ارتكاننا إلى الإيديولوجيا هو الذي هزمنا ووضعنا في خانة قطبية الاختيار هذه، فكتب علينا إما أن نحيا في استلاب الماضي وإما أن نشقى بمادية الحداثة في صورتها البغيضة فلا منزلة بين المنزلتين ومن هذا المنطلق الجبري تولدت كل متاعبنا ومشكلاتنا السياسية ،ولكن قل لي بالله عليك،مالي والشاطبي وابن تومرت وعلال الفاسي ومبدعي المغرب العربي جميعاً،كيف نتطلع إلى مشاريع أولئك الأباعد ،وها قد عميت عيوننا عن منهجية أولي القربى والأرحام، أعني بذلك الإمام المهدي ومنهجيته التي خطها للتعامل مع النصوص ،أقول منهجيته وقرأته الحرة للنصوص التي تخلص فيها من محددات الفقهاء وقواعد أصولهم فلا اعتبار عنده إلا للسند أما الفهم فهو رجل مثلهم له عقل مثلما لهم عقول ،فقد تكون مادة مشروع الإمام المهدي تخلفت عن زماننا هذا في بعض جوانبها لكن منهجه الفكري لتوليد الحلول لا زال بكراً فتياً ينتظر من يحتفي به ويرنو إلى من يطوره ويتخذ منه مطيةً وطنيةً زلولاً تيسر علينا رحلة السفر الشاق، وبدلاً من هذا الارتكان الميسر ،اخترنا لأنفسنا المشقة ،فضربنا أكباد الإبل في كل بلاد الله نبحث عن الحلول تارةً ذات اليمين وتارةً ذات الشمال،إلى أن هُدينا مؤخراً - وبعقلٍ مقفل وفي حسن نية على أفضل التقدير -إلى استصحاب مشاريع الأستاذ أبو الأعلى المودودي عليه رحمة الله ورأيه في الدولة الإسلامية الأممية ،وحاولنا أن ننزل مقولاته وأفكاره إلى واقع التطبيق مع أن ذات الرجل حذرنا وقال لنا إن مشروعه الفكري لا يصلح للدولة القومية أبداً حال كونه مفصل لدولة الإسلام الأممية ،يقول الأستاذ أبو الأعلى في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ( ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء،يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى،ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم وإن نجح مشروعهم فلا شك يكون معجزة.....فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وانجاز مهمته). هكذا نصحنا الأستاذ المودودي عليه رحمة الله بعدم مقاربة مشروعه السياسي إلا إذا استوفينا شروطه قاطبة ،فلوينا له رقابنا وقلنا له نحن مفتونين بسلفيتكم حد العشق والهيام ،وخضنا مع الخائضين إلى أن بان لنا الأمر ضحى الغد ، وها هو لسان حالنا يقول اليوم مع صاحب البردة عليه رحمة الله :"محضتني النصح لكن لست اسمعه إن المحب عن العذال في صمم" .فهذا الصمم أخي القارئ هو الذي أوردنا مورد التهلكة وجعلنا ضحايا لعشق الأيديولوجيات وشهداء لاجترار الأفكار بلا تأمل ولا روية،والعيب ليس في الأيديولوجيات ذات نفسها ولا في استلاف الفكر الإنساني لحل مشاكلنا خاصة بعد أن أصبح العالم قرية ً واحدة في ظل التقنية الحديثة ،وإنما العيب كل العيب في النقل الحرفي للأفكار والتعصب لها ،خاصة الأفكار السياسية ،ذلك أن الفكرة السياسية عادةً ما تنتج من معطيات واقعها وتفاعلات مشكلات مجتمعها وتتأثر بمحيطها الزماني والمكاني فيجب عند التعاطي معها أخذ كل ذلك في الحسبان وهذا للأسف ما افتقدناه في استلافنا السياسي فكان الحصاد هذا النكد الذي تلوح في الأفق منذرات وقوعه وآثاره الضارة على وحدة البلاد، وللأسف فإن الجميع –إلا من رحم ربي – قد ساهموا بقدرٍ ونصيب في إنتاج مقدمات مهددات الوحدة لا اختلاف في ذلك بين يمينٍ ويسار ،فلو قيض لأهل اليسار أن يلوا الأمر في ظل مشاريعهم التي يطرحون فإنها أيضاً هي الأخرى ستوصلنا إلى نفس النتيجة ،وستهدد هي الأخرى الوحدة الوطنية وتصيبها بشروخٍ تعيا على الراتق حال كونها كلها مشاريع تجزيئية تضيق عن الكل ولا تستوعب الجميع ، وعليه أرى أن الحل يكمن في التخلص من هذه الهيمنة الأيديولوجية لتحل محلها نظم التحليل المعرفي والبحث العلمي الحديث للوقوف على الحقيقة العلمية ومعالجة المشكلات على ضوئها،بدلاً من الارتكان إلى الأيديولوجيات التي تعلي من شأن الباطل وتصوره للناس على أنه الحق الذي ما بعده حق، يقول الإمام الغزالي عن الأيديولوجيا – إذا جسدناها- يقول عنها عليه رحمة الله : "فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائلٍ حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن كان باطلاً،..وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقاً،فهم أبداً يعرفون الحق بالرجال،ولا يعرفون الرجال بالحق،وهو غاية الضلال" ،وهكذا تفعل الأيديولوجيا في عقول الرجال،فهي دوماً تعطل عندهم ملكة التحليل، وتقف حائلاً بينهم وبين مواجهة الواقع وإبداع الحلول لمشكلاتهم ومعضلاتهم ، لا ، بل تجعلهم يرتكنون إلى الوصفات الشعبية غير العقلانية يتلمسون لديها الحلول حتى لمشاكل السياسة والاقتصاد فيزيدوا مشكلاتنا بذلك ضغثاً على إبالة وبواراً على بوار ،وما أظن أن بمثل هذا تبني الأمم نهضتها وحضارتها التي تنشد.
وحتى لا أبخس الناس أشياءهم فإنني أقول عند خاتمة هذا المقال إن المحافظة على وحدة السودان توجب في وجهة نظري استصحاب مفهوم الدولة المدنية الذي حاول السيد الصادق المهدي من خلاله تلطيف سفور الدولة القومية العلمانية وتجنب سلبيات الدولة الدينية،والدمج بين إيجابيات الاثنين معاً في مشروع فكري يلامس واقع البلاد والعباد،ويحافظ في ذات الوقت على إرث أهل السودان الإسلامي، فهلا تعاضدت جهودنا جميعاً لإنجاح هذا الطرح الفكري كوسيلة للخروج بالبلاد من ورطة مهددات الوحدة والسلام التي تلوح في أفقنا السياسي في هذه الأيام.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

خليفة السمري – المحامي .